الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

فنون واجتماعيات

التنمّر: حين تتكلّم السلطة بلسانٍ يومي

التنمّر: حين تتكلّم السلطة بلسانٍ يومي

بقلم: فاطمة يوسف بصل

لا يولد التنمّر من فراغ، ولا يسكن في فردٍ معزول، بل يتسرّب من شقوق البنية الاجتماعية، حيث تتعلّم السلطة أن تتخفّى في اللغة، وأن تمارس حضورها دون أن تُسمّي نفسها. إنّه السلطة حين تنزل من المنابر الكبرى إلى التفاصيل الصغيرة: نظرة، نكتة، تعليق عابر، أو صمتٍ متواطئ. في هذا المستوى اليومي، يصبح العنف أقلّ فجاجة، وأكثر قبولًا، لأنه لا يُمارَس باسم القمع، بل باسم «الطبيعي» و«المألوف».

من منظور ميشيل فوكو، لا تعمل السلطة عبر القوانين والمؤسسات فحسب، بل عبر الخطاب الذي يُحدِّد ما يجوز قوله، ومن يملك حق الكلام، وما يُعدّ طبيعيًا أو شاذًا. في هذا السياق، يتحوّل التنمّر إلى آلية ضبط اجتماعي غير معلنة، يُعاقَب فيها المختلف لا بالإقصاء المادي، بل بالتهميش الرمزي. الكلمة هنا لا تصف الواقع، بل تُنتجه؛ تصنع صورةً ناقصة للضحية، وتمنح المتنمّر موقعًا وهميًا من التفوّق.

أما بيير بورديو، فيكشف الوجه الأكثر نعومة وخطورة لهذه الممارسة عبر مفهوم العنف الرمزي؛ ذلك العنف الذي يُمارَس بلغة تبدو بريئة، ومعايير تبدو طبيعية، لكنه في جوهره يعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية. فالسخرية من لهجة، أو تسفيه تخصّص، أو التقليل من خلفية اجتماعية، ليست أفعالًا فردية عابرة، بل استدعاء غير واعٍ لبنية ثقافية تمنح بعض الفئات شرعية التفوّق، وتدفع الضحية أحيانًا إلى قبول هذا العنف بوصفه «واقعًا لا يُناقَش».

وعلى المستوى الوجودي، يلتقي التنمّر مع فكر جان بول سارتر، حيث يصبح «نظر الآخر» أداة تشكيل قاسية للذات. فالإنسان، تحت وطأة التحقير المتكرر، يبدأ برؤية نفسه كما يُراد له أن يُرى، لا كما يختار أن يكون. هنا لا يُجرَّد الفرد من احترامه فحسب، بل من حريته في تعريف ذاته، فيتحوّل القمع الخارجي إلى قمعٍ داخلي دائم.

في الفضاء الجامعي، حيث يُفترض أن تكون المعرفة أداة تحرّر، يتخذ التنمّر شكلًا أكثر تعقيدًا وخفاءً. يُمارَس باسم التفوّق العقلي، وبذريعة «النقد الأكاديمي»، وبنبرة استعلاء تُقصي الأصوات الأقل حظًا اجتماعيًا أو ثقافيًا. وهكذا، بدل أن تُفكّك الجامعة علاقات السلطة، تجد نفسها — أحيانًا — تعيد إنتاجها بلغة أكثر تهذيبًا، ولكن بأثرٍ لا يقلّ قسوة.

وهنا يفرض التنمّر نفسه كإشكالية فكرية تتجاوز السلوك الفردي إلى سؤالٍ بنيوي: هل التنمّر انحراف أخلاقي طارئ، أم نتيجة منطقية لثقافة تُقدّس التفوّق وتُهمِّش الاختلاف؟ فإذا كانت السلطة قادرة، كما يبيّن فوكو، على إعادة إنتاج ذاتها في أبسط تفاصيل الخطاب، وإذا كان العنف الرمزي، وفق بورديو، يُمارَس بقبولٍ صامت من ضحاياه، فإن المشكلة لا تكمن في وجود متنمّرين فحسب، بل في بيئةٍ تمنح هذا السلوك شرعية غير معلنة، وتُسكت المتأذين باسم التكيّف أو «الصلابة».

من هنا، تصبح مواجهة التنمّر فعلًا فلسفيًا وسياسيًا في آنٍ واحد؛ فعلًا يعيد مساءلة اللغة، ويكشف ما تخفيه من علاقات قوة، ويُعيد الاعتبار للأخلاق بوصفها مسؤولية تجاه الآخر، لا مجرد التزام شكلي. فالمجتمع الذي لا يُحاسب كلماته، يعجز لاحقًا عن محاسبة أفعاله.

في الخلاصة، التنمّر ليس خللًا هامشيًا، بل عرضٌ كاشف لمرضٍ أعمق في العلاقة بين القوة والهوية والمعنى. ومجتمعٌ يسعى إلى الحرية والمعرفة، لا يمكنه أن يتقدّم ما لم يُفكّك أشكال العنف المموّهة في لغته وثقافته. وبين الصمت الذي يُطيل عمر الإقصاء، والكلمة التي تعيد للآخر حقه في الوجود، يقف خيارٌ أخلاقي حاسم: إمّا أن نجعل من اللغة مساحة كرامة، أو نتركها تتحوّل إلى أداة إلغاء.

شارك الخبر
error: !!