الأسلحة البيولوجيّة، الخطر الصامت في الحروب الحديثة .
الأستاذ والباحث القانوني يوسف حنا الخوري
يقف العلم على مُفترق طرق بين خدمة الإنسانيّة وإستغلاله في إحداث الدمار. فبينما ساهمت الإكتشافات البيولوجيّة في إنقاذ ملايين الأرواح، فإنها في الوقت ذاته فتحت الباب أمام إستخدامات خطيرة، من بينها تطوير الأسلحة البيولوجيّة. يثير هذا التناقض تساؤلات أخلاقيّة وعلميّة حول كيفية تحوّل المعرفة إلى أداة تهديد، وحول الحدود التي يجب أن تُرسم لضمان بقاء العلم في خدمة الحياة لا وسيلة لإنهائها.
تنشر الأسلحة البيولوجيّة كائنات دقيقة أو سمومًا مُمرِضة بهدف إلحاق الأذى أو التسبب في الوفاة للإنسان أو الحيوان أو النبات. وتتكوّن عادةً من عنصر فعّال مُعدّ للإستخدام العدائي، بالإضافة إلى وسيلة لنقله أو إيصال تأثيره إلى الهدف المقصود. ولا يقتصر إستخدامها على الأغراض العسكريّة في إطارها الإستراتيجي أو التكتيكي، بل قد تمتد لتشمل عمليات إغتيال ذات طابع سياسي، أو إستهداف الثروة الحيوانيّة والمحاصيل الزراعيّة بما يؤدي إلى أزمات غذائيّة وخسائر إقتصاديّة كبيرة. كما يمكن أن تُسهم في إحداث إضطرابات بيئية، وإنتشار واسع للأمراض، فضلًا عن بثّ الخوف وزعزعة الثقة داخل المجتمعات. إذّ يمكن عدّها نوعاً من أسلحة الدمار الشامل؛ التي تشمل أيضاً الأسلحة الكيميائيّة والنوويّة والإشعاعيّة.
في هذا الإطار، لا يقتصر فهم الأسلحة البيولوجيّة على التعريف المجرد، بل يرتبط بخصائص تجعلها مختلفة عن غيرها من وسائل القتال، فهي تتسم بالخفاء وصعوبة الإكتشاف في مراحلها الأولى، وبالقدرة على الإنتشار السريع عبر الحدود دون قيود تُذكر، فضلًا عن تأثيرها المتأخر الذي قد يُعقّد جهود الإستجابة والإحتواء، إلى جانب كلفتها المنخفضة نسبيًا مقارنة ببعض الأسلحة التقليدية، وهو ما يعزز من خطورتها ويجعلها محل إهتمام خاص في القانون الدولي. وقد أفرزت هذه الخصائص تحديات حقيقية أمام الأنظمة القانونيّة، خاصةً فيما يتعلق بإثبات المسؤولية وتحديد مصدر الهجمات في حال وقوعها، وهو ما يُضعف أحيانًا من فعالية الردع القانوني.
يؤكد التاريخ أن هذه المخاطر ليست مجرد فرضيات نظريّة، بل حقائق تجسدت في وقائع متعددة، فالحرب البيولوجية قديمة قدم التاريخ، ويعتقد أن أول إستخدام لها كان على يد القائد اليوناني “سولون” عام 600 قبل الميلاد، وإستخدم جذور نبات “هيليوروس” في تلويث مياه النهر الذي يستخدمه أعداؤه للشرب، وهو ما أدى إلى إصابتهم، ومن ثم سهل عليه إلحاق الهزيمة بهم. وقع أكبر حادث إستنشاق بشري لجراثيم الجمرة الخبيثة عام 1979 في المركز البيولوجي العسكري في “سفيردلوفيسك” في روسيا، حيث أطلقت جراثيم الجمرة الخبيثة عن طريق الخطأ؛ مما أدى إلى حدوث 79 حالة إصابة توفي منها 68. إضافةً إلى حادثة هجمات الجمرة الخبيثة في الولايات المتحدة عام 2001، التي أظهرت كيف يمكن لإستخدام محدود لعامل بيولوجي أن يُحدث تأثيرًا واسعًا يتجاوز الخسائر المباشرة ليصل إلى بث الذعر وزعزعة الثقة بالمؤسسات العامة.
كما كشفت واقعة تسرب سفيردلوفسك عام 1979 عن مخاطر البرامج غير المعلنة وضعف الشفافية، حيث أدى تسرب عرضي من منشأة مرتبطة بأنشطة عسكرية إلى نتائج مأساوية، مما أثار تساؤلات قانونيّة حول مسؤوليّة الدول وواجبها في حماية المدنيين. ولا يمكن إغفال ما إرتبط بـ الوحدة 731 اليابانية خلال الحرب العالمية الثانيّة، والتي تُعد من أبرز الأمثلة على الإنتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، حيث إستُخدمت الكائنات البيولوجيّة في ممارسات تتنافى مع أبسط المبادئ الإنسانيّة.
قد شهد العالم أزمات وبائيّة بيولوجيّة مريعة، منها فيروس السارس عام 2002، وإنفلونزا الطيور عام 2003، وإنفلونزا الخنازير عام 2009، ووباء إيبولا عام 2013، وفيروس كورونا عام 2020.
سعى المجتمع الدولي إلى وضع حدود واضحة لهذا النوع من التهديد من خلال إتفاقيات ملزمة، أبرزها إتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية (BWC) لعام 1972، فتحظر إستحداث وإنتاج وحيازة ونقل وتخزين وإستخدام الأسلحة البيولوجية والتكسينية. وهي أول معاهدة مُتعددة الأطراف لنزع السلاح تحظر فئة كاملة من أسلحة الدمار الشامل. وتدعم أنشطة وحدة دعم التنفيذ الجهود الرامية إلى تعزيز تنفيذ الإتفاقية. غير أنّ الطبيعة المزدوجة للتكنولوجيا الحيويّة تظل مصدر قلق دائم، إذّ يمكن للمعرفة نفسها أن تُستخدم في العلاج كما يمكن أن تُستغل في الإضرار.
في مواجهة هذه التحديات، لم يقتصر التنظيم الدولي على إتفاقية واحدة، بل تعزز بمجموعة من الآليات المكملة، من بينها قرار مجلس الأمن رقم 1540/2004 فقرر المجلس أن تمتنع جميع الدول عن تقديم أي شكل من أشكال الدعم للجهات من غير الدول التي تحاول إستحداث أسلحة نووية أو كيميائية أو بيولوجية ووسائل إيصالها، أو إحتيازها أو صنعها أو إمتلاكها أو نقلها أو تحويلها أو إستعمالها، ولا سيما لأغراض إرهابية. ويطلب القرار من جميع الدول إعتماد وإنفاذ قوانين ملائمة لهذا الغرض، فضلاً عن إتخاذ تدابير فعالة أخرى لمنع إنتشار هذه الأسلحة ووسائل إيصالها إلى جهات من غير الدول، ولا سيما لأغراض إرهابية. إضافةً إلى اللوائح الصحيّة الدوليّة التي تشرف عليها منظمة الصحة العالميّة، والتي تهدف إلى تعزيز قدرات الدول على رصد الأوبئة والإستجابة السريعة لها. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات واضحة في نظام الرقابة، خاصةً في ظل غياب آليات تحقيق صارمة ضمن بعض الإتفاقيات، فضلًا عن التفاوت الكبير بين الدول في القدرات التقنية والمؤسساتية.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم لا يكمن فقط في حظر الأسلحة البيولوجيّة، بل في القدرة على مواكبة التطور العلمي المتسارع وضمان عدم إنحرافه عن مساره الإنساني. فالعلم، رغم حياده في جوهره، قد يتحول إلى أداة تهديد إذا لم يُحاط بإطار قانوني وأخلاقي صارم.
يبقى السؤال الجوهري: هل تكفي الأطر القانونيّة الدوليّة الحاليّة، وعلى رأسها إتفاقية حظر الأسلحة البيولوجيّة (BWC)، لمواجهة المخاطر المتناميّة المرتبطة بالأسلحة البيولوجيّة؟
إن الإجابة، في ضوء الواقع العملي، تشير إلى أن هذه الأطر تمثل أساسًا ضروريًا لكنها غير كافية بذاتها، إذّ تظل فعاليتها مرهونة بمدى إلتزام الدول بتطبيقها، وتطوير آليات رقابيّة أكثر صرامة، وتعزيز التعاون الدولي في مجالات الشفافية وتبادل المعلومات. وعليه، فإن مواجهة هذا التهديد لا تتحقق فقط عبر النصوص القانونيّة، بل من خلال إرادة دوليّة جماعيّة تُترجم هذه النصوص إلى واقع فعلي يضمن حماية الإنسانيّة من أحد أخطر أشكال المخاطر المعاصرة.

