الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار سياسية - محلية وعالمية

لبنان: انقلاب كبير يُكتب خارج حدوده، يُنذر بنهاية وجوده.

لبنان: انقلاب كبير يُكتب خارج حدوده، يُنذر بنهاية وجوده.

بقلم: الدكتور محمد هاني هزيمة، محلل سياسي وخبير استراتيجي

تشير المعطيات إلى أن العدو الإسرائيلي عمل على فرض واقع جديد تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، عبر ترتيبات أمنية وعسكرية تضمن له حرية الحركة، مقابل تقييد لبنان ضمن اتفاق غير متوازن يقوم على تفوقه العسكري. ويأتي ذلك في ظل تقاطع مصالح مع السلطة اللبنانية التي تبدو، بفعل ضعفها البنيوي، أكثر قابلية للخضوع للضغوط الخارجية، لا سيما من الولايات المتحدة التي تستثمر هذا الضعف لتكريس نفوذها في المنطقة.
وقد عبّر دونالد ترامب عن هذه المقاربة بشكل صريح حين قال إن “حزب الله عدو لبنان وإسرائيل معًا لأنه يمنع السلام الذي يريده الطرفان”، في توصيف يعكس تلاقي مصالح متناقضة ظاهريًا، لكنها تلتقي عند هدف واحد: إعادة رسم التوازنات في لبنان.
في الداخل، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا؛ إذ اجتمعت قوى متباينة أيديولوجيًا في تقاطع سياسي غير مسبوق، ضمّ أطرافًا من اليمين المتشدد، وبعض القوى المسيحية، إلى جانب ما تبقى من اليسار والعروبيين والناصريين، وحتى شخصيات محسوبة على الإقطاع السياسي. هذا التلاقي، رغم تناقضاته، اجتمع عند نقطة واحدة: مواجهة خيار المقاومة.
بالمقابل، يُسجَّل استثناء لبعض القوى التي بقيت خارج تركيبة الحكم، وابتعدت عن منطق التصفية السياسية، محافظةً على قدر من الواقعية الوطنية في مقاربتها للأزمة.
وفي هذا السياق، برزت تحولات في بنية السلطة، حيث مُنحت قوى يمينية نفوذًا وازنًا داخل الحكومة، في مقدمتها القوى المرتبطة بـ سمير جعجع، في خطوة تُقرأ على أنها بداية انقلاب سياسي ناعم يهدف إلى إعادة تشكيل هوية لبنان وربطه بمشروع “الشرق الأوسط الجديد”.
هذا المشروع لا يقتصر على إعادة توزيع السلطة داخليًا، بل يتعداه إلى إعادة تعريف دور لبنان الإقليمي، بحيث يتحول إلى مساحة تخدم الأمن الإسرائيلي، وتؤدي وظيفة سياسية وأمنية تتقاطع مع مصالحه، تحت غطاء دولي ورعاية أميركية مباشرة.
في موازاة ذلك، يتراجع حضور الدستور ومضامينه، في ظل ممارسات تتناقض مع روحيته، وتعيد إحياء نزعات طائفية كانت قد تراجعت بعد اتفاق الطائف. ويبدو أن البلاد تُدار اليوم بمنطق الغلبة السياسية، لا بمنطق الشراكة الوطنية التي قام عليها الكيان اللبناني.
وتتصاعد خطاب التحريض المذهبي، الذي ساهم في خلق حالة شعبية قائمة على التضليل والتهويل، بهدف محاصرة المقاومة وبيئتها، وتحميلها كلفة خياراتها السياسية. وقد شكّل هذا النهج أحد أعمدة استمرار السلطة الحالية، رغم ما يُسجَّل عليها من انتهاكات واضحة للدستور.
وفي ظل هذه التحولات، يبرز سؤال جوهري: هل دخل لبنان فعليًا مرحلة إعادة التشكيل بما يتوافق مع المشروع الأميركي في المنطقة؟ وما هو شكل السلطة المقبلة، وحدود تعاملها مع المقاومة؟ وهل نحن أمام مرحلة تعيد إنتاج نماذج سابقة من الارتباط الأمني والسياسي، لكن بأدوات جديدة وأحجام أكبر؟
إن المؤشرات الراهنة لا توحي بالاستقرار، بل تنذر بمرحلة أكثر تعقيدًا، في ظل سلطة تواجه أزمات داخلية عميقة، وتعمل تحت سقف ضغوط خارجية متزايدة، ما يضع لبنان أمام تحدٍّ وجودي يتعلق بهويته ودوره ومستقبله.

شارك الخبر
error: !!