حين تنكسر السلاسل داخلك… يصبح الوطن أكثر اتساعًا.
بقلم : فاطمة يوسف بصل
في وطنٍ أُعلن استقلاله منذ عقود، ما زلنا نبحث عن معنى الحرية الحقيقي. نحتفل، نرفع الأعلام، نردد النشيد، لكننا لا نسأل أنفسنا: هل تحررنا فعلًا؟ هل ما زال الوطن يرزح تحت احتلالٍ من نوع آخر، أكثر دهاءً وأعمق نفاذًا؟
الاستقلال لا يُختزل بيوم في الروزنامة. إنه مشروع حياة، وموقف، ونهج. هو أن يشعر المواطن أنه سيّد في بلده، لا متسوّل حق، ولا صدى صوت.
هو أن يُربّى التلميذ على الفكر الحر، لا على الطاعة العمياء.
هو أن تتحول المدرسة إلى وطن صغير، والمعلم إلى ضمير حيّ، لا إلى موظف مكبّل بقيود الروتين وحرمان الكرامة.
في السياسة، الاستقلال دون سيادة قرار ليس سوى طلاء وطنية على جدران هشة. كيف نكون مستقلين ونحن ننتظر موافقة سفارة لنشكّل حكومة؟ أو نترقّب موقف دولة غربية لنُطلق موقفًا؟ هذه التبعية لا تصنع كرامة، ولا تُربّي أجيالًا حرة، بل تخلق عبيدًا يرتدون ثياب مواطنين.
أما في التربية، فهنا تُزرع جذور الاستقلال الحقيقي.
الصف هو أول ساحة نضال، والكرامة فيه أول دستور.
*حين يُهان المعلم، يُهان الوطن*.
وحين يُحرم الطالب من بيئة آمنة تُنمي قدراته، فهو لن ينشأ ليحرر بلاده، بل ليغادرها.
نحن في زمن تتراجع فيه القيم، وتُقدّم المصلحة على المبادئ، ويُباع الوطن باسم الطوائف، ويُشترى الولاء بمناصب رخيصة.
لكنّ الشعوب التي تنجب مقاومين تُنجب أيضًا مفكرين وأحرارًا. ولبنان، رغم كل أوجاعه، ما زال يخبئ في ترابه بذور نهضة تنتظر المطر.
الاستقلال الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات منذ خروج المستعمر، بل بمدى عمق التحرر من داخلك:
من الخوف، من التبعية، من الجهل، من الفساد، ومن الصمت.
وحين تنكسر تلك السلاسل، يصبح الوطن أكثر اتساعًا، والحرية أكثر صدقًا، ويصبح العيد عيدًا لا يُشبه الأوهام.
فلتكن أعياد الاستقلال دعوة إلى بناء الإنسان قبل بناء الدولة، لأن الوطن الذي لا يسكن في وعي أفراده، يبقى وطنًا مع وقف التنفيذ.

