فرقة موسيقية تُرعب دُعاة الحرية….
كتب الزميل “هادي حسين شكر ” في صحيفة “البناء ”


في مشهد يعكس عمق التناقضات التي باتت تحكم خطاب الغرب عن الحريات والديمقراطية، أقدمت الولايات المتحدة على إلغاء تأشيرات دخول أعضاء فرقة “بوب فيلان” البريطانية، وذلك على خلفية كلمات أطلقها أعضاء الفرقة من على مسرح مهرجان “غلاستونبري” الشهير في إنجلترا، تضامناً مع الشعب الفلسطيني. بالتوازي، أعلنت الشرطة البريطانية فتح تحقيق جنائي بحق الفرقة، على خلفية ذات العبارات، التي تضمّنت هتافات صريحة: “الموت، الموت، لجيش الاحتلال الإسرائيلي”، و”من النهر إلى البحر، يجب أن تكون فلسطين حرة، وستكون إن شاء الله حرة”.
ليست هذه أول مرة يُقمع فيها صوت فني أو ثقافي يتخذ موقفاً أخلاقياً من المجازر في فلسطين، لكنها من أكثر اللحظات دلالة. اللحظة التي يهتف فيها فنانون ضدّ الاحتلال، فيثيرون الذعر داخل مؤسسات الحكم، ويتحوّلون من موسيقيين إلى خصوم سياسيين. اللحظة التي تُرعب فيها فرقة موسيقية منظومتين سياسيتين متحالفتين، وتستنفر أجهزتهما الأمنية والبيروقراطية لملاحقة حفنة من الفنانين الذين لم يحملوا سلاحاً، بل صدحوا بكلمات.
ما الذي تخشاه هذه الدول فعلاً؟ هل أصبحت الكلمة وحدها تثير الرعب؟ أم أنّ فلسطين، حين تُقال بوضوح وبلا مواربة، تكسر القناع، وتحرج النظام الأخلاقي الذي يبني عليه الغرب صورته الذاتية أمام العالم؟ لقد قدّم الغرب نفسه لعقود على أنه معقل حرية التعبير وملاذ الرأي المختلف، حيث يمكن للفرد أن ينتقد السلطة، ويخالف التيار، بل ويسخر من الدين والسياسة دون أن يُحاسب. لكن هذا كله ينهار فور أن تتجه البوصلة نحو فلسطين.
ردّ الفعل الرسمي الأميركي جاء على لسان نائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو، الذي اعتبر أنّ “الأجانب الذين يمجّدون العنف والكراهية ليسوا موضع ترحيب”. لكن لنسأل بوضوح: أيّ عنف يمجَّد حين يُدان جيش يقتل أطفالاً ونساءً يومياً؟ وأي كراهية تُحرَّض حين يُطالب شعب بالحرية من احتلال عسكري عنصري؟ من يمجّد الكراهية فعلاً؟ الفرقة التي تهتف لفلسطين؟ أم الدول التي تموّل آلة القتل وتمنحها الحصانة السياسية والدبلوماسية؟
الواقع أنّ ما يقلق هذه الأنظمة ليس الهتاف بحدّ ذاته، بل السياق الذي قيل فيه، والمكان الذي انطلق منه. فالكلمات لم تصدر عن زعيم سياسي شرقي، ولا عن تنظيم مسلّح، بل عن فنانين بريطانيين، يقفون على منصة في واحد من أكبر المهرجانات الفنية، أمام جمهور شاب، مثقف، عابر للطبقات والجنسيات. هنا يصبح الخطر مضاعفاً، لأنّ الكلمة لم تُلقَ في الهامش، بل في صلب المشهد الثقافي الغربي. ولأنها خرجت من حناجرهم، لا من ضحاياهم.
لقد فهم الغرب أنّ معركته لم تعد فقط مع الشعوب العربية أو مع محور المقاومة، بل مع فئات متزايدة من مجتمعاته، بدأت تشكّك بروايته، وتُدين تواطؤه، وترفض أن تكون شريكة في الصمت.
وفي العمق، فإنّ ما حدث ليس إجراءً ضدّ فنانين، بل سياسة إسكات ممنهجة. سياسة تقوم على إسقاط صفة “الحرية” عن كلّ من لا يساير المنظومة السياسية والإعلامية التي تحمي “إسرائيل”. وتُدرج كلّ من يهتف لفلسطين في خانة التطرّف أو التحريض أو الكراهية. إنها محاولة فاشلة لعزل الصوت الفلسطيني ومن يتضامن معه، عن فضاء الرأي العام العالمي.
لكن المفارقة الكبرى أنّ هذا القمع لا يُسكت، بل يُنبه. لا يُطفئ، بل يُشعل. والذين لم يسمعوا باسم “بوب فيلان” قبل الحادثة، باتوا يبحثون عن موسيقاها، ويقرأون كلماتها، ويعيدون تداولها. هكذا تتحوّل محاولات المنع إلى عمليات دعاية عكسية. وهكذا، تصبح المنصة الموسيقية أداة مقاومة حقيقية، حين يقول الفنان كلمته بلا خوف، ويضع أصبعه على الجرح بلا مساومة.
ما جرى مع “بوب فيلان” ليس إلا فصلاً جديداً في مسار طويل من كمّ الأفواه والتضييق على أيّ شكل من أشكال التعبير عن الانحياز لفلسطين. لكنه أيضاً دليل حي على أنّ هذه القضية لم تعد معزولة، ولا محاصرة. بل باتت تملك من الأصوات، في كلّ اللغات، ما يكفي لتكذيب الجلاد، وإن طال بطشه.
فلسطين اليوم ليست وحيدة. وحين تهتف باسمها فرقة موسيقية في إنجلترا، فيرتجف النظام، ويستنفر القانون، فذلك لا يعني أنّ الصوت أخطأ… بل يعني أنه أصاب الهدف تماماً…
{صحيفة البناء}

