اتفاق ١٧ ايار ١٩٨٣ لم يكن مجرد تفاهم امني بل محاول لاعادة صياغة العلاقة .
اتفاق ١٧ ايار ١٩٨٣ لم يكن مجرد تفاهم امني بل محاول لاعادة صياغة العلاقة .
حسن مظلوم
رئيس تيار الحياة اللبناني
في قراءة هادئة لمسار الصراع في المنطقة، يتبيّن أن ما طُرح في اتفاق 17 أيار ١٩٨٣ لم يكن مجرّد تفاهم أمني، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة على قاعدة ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد.
لقد سعت الأطراف الخارجية آنذاك، مستفيدة من ظروف الاجتياح والضعف الداخلي، إلى فرض واقع يقوم على ضبط الحدود، وتفكيك القوى العسكرية المناوئة، وصولًا إلى ترتيبات غير معلنة تحت عنوان “الأمن مقابل الانسحاب”.
أما اليوم، ورغم تغيّر الظروف، فإن جوهر تلك المقاربات لم يتبدّل، بل يُعاد إنتاجه بأدوات مختلفة، عبر الضغط السياسي والأمني وفرض وقائع ميدانية بدل الوصول إلى اتفاق شامل مباشر.
وفي هذا السياق، يبرز تطور جديد يتمثل في حصول اتصال مباشر بين ممثلي لبنان و”إسرائيل” في الولايات المتحدة برعاية أمريكية، في خطوة تعكس انتقالًا من الوساطة غير المباشرة إلى قنوات تواصل أكثر مباشرة، قد تمهّد لمسار جديد لم تتضح معالمه بعد.
ويواكب ذلك حضور سياسي داخلي يبدو منخرطًا في هذه المسارات من داخل مواقع السلطة، تحت تأثير ضغوط خارجية تقودها الولايات المتحدة وشركاؤها، في اتجاه صياغة تفاهمات قد تُفرض على حساب مكوّنات من النسيج الوطني، ولو أدى ذلك إلى تحميل فئة من اللبنانيين كلفة المواجهة أو جعل دمائها ثمنًا لأي تسوية.
إن الفارق بين الأمس واليوم ليس في الأهداف، بل في الأسلوب، حيث تُستبدل الاتفاقات المعلنة بترتيبات تدريجية تُفرض عبر الواقع والضغط.
إن لبنان، الذي أسقط اتفاق 17 أيار بفعل رفضه الداخلي، يجد نفسه اليوم أمام تحدٍ جديد: كيف يحمي سيادته ويمنع فرض وقائع أمنية عليه، دون أن يُدفع مجددًا إلى أثمان باهظة من الدم والاستقرار، وأن يصون وحدته الوطنية ويمنع تحويله إلى ساحة تسوّق على حساب شعبه.

