من الانهيار إلى الترميم: كيف قلب حز.ب الله المعادلة بعد أعنف هجمة في تاريخه؟
من الانهيار إلى الترميم: كيف قلب حز.ب الله المعادلة بعد أعنف هجمة في تاريخه؟
سمير باكير يكتب –

رغم قصر الفاصل الزمني بين 27 تشرين الثاني 2024 واليوم، فإن حجم التحولات التي شهدتها المنطقة يكاد يعادل عقوداً كاملة من الصراع.
في 2024، تعرّض حز.ب الله لأعنف هجوم في تاريخه، وهو لم يولد من لحظته، بل كان نتاج تراكم إسرائيلي امتد منذ مرارة هزيمة تموز 2006، حين أدركت إسرائيل أنها تواجه خصماً لا يُقاس بمنطق الجيوش التقليدية، بل ببنية عقائدية واجتماعية قادرة على امتصاص الضربات والتحول بعدها إلى قوة أكثر صلابة.
من منتصف أيلول إلى أواخر تشرين الأول 2024، انطلقت الحملة الإسرائيلية بوتيرة غير مسبوقة: بدأت بعملية “البيجر”، وتزامنت مع سلسلة اغتيالات طالت الصف الأول في الحزب، أبرزها اغتيال الأمين العام السيد حسن نصرالله، ثم السيد هاشم صفي الدين، والشيخ نبيل قاووق، في حملة منظمة استهدفت البنية العسكرية والأمنية والاقتصادية للحزب، سعياً لإحداث انهيار شامل في قدراته القيادية والتنظيمية.
جاءت الهدنة التي فرضت على الحزب الانسحاب من جنوب الليطاني، الأرض التي دفع ثمناً غالياً للبقاء فيها، ليخرج هذه المرة عبر طاولة التفاوض لا عبر الميدان. وفي صباح الهدنة نفسه، بدأ المشهد السوري يتداعى مع هجوم التنظيمات المتطرفة وسقوط نظام الأسد، ليتشكل انطباع واسع بأن محور المقاومة بأكمله على أعتاب الانهيار، وأن حزب الله يعيش لحظاته الأخيرة بعد أن فقد جزءاً من قيادته واختُنق إمداده السوري.
لكن ما تلا ذلك كان معاكساً لكل التوقعات. فالحرب التالية لم تحمل مشهد الانهيار، بل مشهد الترميم السريع والمذهل. بدأت المفاجآت من العراق، ثم انتقلت الأضواء إلى لبنان، حيث عاد الحزب للقتال بقدرات شبه مطابقة لما كان يمتلكه قبل 27/11/2024. عاد إطلاق الصواريخ من جنوب الليطاني نفسه، المنطقة التي قيل إن إسرائيل فرضت إخراج الحزب منها، وعادت معه شبكة أمنية وعسكرية لا تزال إسرائيل عاجزة عن تفكيكها، وآخر تجلياتها استهداف قائد اللواء 401 الإسرائيلي.
تدرك إسرائيل جيداً أن السر الحقيقي لا يكمن فقط في السلاح أو البنية العسكرية، بل في القدرة الاستثنائية على إعادة إنتاج القوة بعد كل ضربة. وهي حقيقة فهمتها مبكراً منذ 2006 حين كتبت “يديعوت أحرونوت”: “كل اللبنانيين هم حسن نصرالله”، ثم كرر المعنى نفسه غادي آيزنكوت عام 2008 عندما قال إن “القرى الشيعية في لبنان ليست مناطق مدنية بل قواعد عسكرية”.
لم يكن المقصود أن كل قرية تحتوي على مخازن أو مقاتلين، بل أن الحزب يمتلك ما هو أخطر من المنشآت: البيئة الحاضنة التي تؤمن به، وتحميه، وتعید ترميمه بعد كل حرب. هذه البيئة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل أحد أعمدة القوة الأساسية، فهي تمنح التنظيم القدرة على اجتياز أقسى المراحل دون أن يفقد تماسكه أو شرعيته الداخلية.
من هنا وُلدت “عقيدة الضاحية” الإسرائيلية، التي تقوم على تحميل الحاضنة الشعبية مسؤولية خيارات قياداتها، عبر استهداف المناطق المدنية وتدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالحزب، أملاً في تحويل الألم الشعبي إلى نقمة داخلية عليه. لكن بعد كل هذا الدمار، ما زالت إسرائيل تحاول… وما زالت تفشل.

