الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار سياسية - محلية وعالمية

لبنان في مواجهة صهينة الهوية: صراع الوجود والانقلاب على الدولة.

لبنان في مواجهة صهينة الهوية: صراع الوجود والانقلاب على الدولة.

بقلم: د. محمد هزيمة
كاتب وباحث سياسي استراتيجي

دخلت الحرب اللبنانية مرحلةً خطيرة، وبلغ الوطن منعطفًا غير مسبوق، أمام حالةٍ ربما لم تكن ظاهرة للعيان، لكنّ أحداث المنطقة وتداعيات الحرب كشفت وجهًا جديدًا داخل المجتمع اللبناني لم يظهر حتى في الحرب الأهلية كما هو اليوم. فقد خرج هذا الواقع من عقال المألوف، متجاوزًا الدستور والثوابت وهوية الدولة وما عُرف بالعيش المشترك، ليدفن ميثاقه في ثرى مشروعٍ أميركي للشرق الأوسط قائم على مفهوم “إسرائيل الكبرى”، كإمبراطورية عسكرية ذات نفوذ سياسي ومركز اقتصادي وازن، يربط الشرق بالغرب كمصدر للطاقة وواجهة بحرية بين كيانات متناحرة وشعوب مضطربة.
تلعب إسرائيل دور الحكم والناظم على حساب هوية المنطقة وخصوصية شعوبها، عبر طمس هذه الهوية والتأسيس لتحالف يربط الولايات المتحدة بالهند مرورًا بإسرائيل، ضمن منظومة كيانات ذات أدوار وظيفية تُستكمل بها السيطرة العالمية، استعدادًا لصراع دولي كبير بُنيت على أساسه الاستراتيجية الأميركية المستقبلية، في مواجهة تنامي دور الصين كقوة اقتصادية وعسكرية تشكّل تهديدًا استراتيجيًا لتفوق الولايات المتحدة وقدرتها على الاستمرار كقطبٍ أوحد يتحكم بمفاصل الطاقة كأداة نفوذ وسلاح.
يأتي ذلك في ظل تسارع النمو الاقتصادي الصيني، حيث يشكّل النفط شريانًا حيويًا له، ونقطة ضعف تدفع القيادة الصينية إلى التريث في خطواتها وإعادة حساباتها. وتعتبر واشنطن هذا الصعود خطرًا استراتيجيًا غير قابل للتجاهل، بدءًا من تايوان وبحر الصين، وصولًا إلى ما وراء المحيطات، مرورًا بأوروبا وأفريقيا، مع تداخل أدوار إيران وروسيا وكوريا الشمالية في هذا المشهد المعقد.
بعد قراءة واشنطن لمؤشرات تهديد لنفوذها، خاصة في مؤتمرات دولية كـ”شنغهاي”، انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدمًا من الاستعداد للمواجهة، في توقيت حساس يتزامن مع تحولات داخلية صعبة تعيشها الولايات المتحدة، من تراجع اقتصادي، وارتفاع الدين العام، وعجز غير مسبوق في الموازنة، إلى اهتزاز الثقة بين الإدارة والمواطن، نتيجة ضرب القيم التي قامت عليها الدولة.
في هذا السياق، جاءت سياسات خارجية مرتبكة، لا سيما في التعاطي مع إيران، حيث أدت التقديرات الخاطئة والضغوط المتبادلة بين الحلفاء إلى كشف خلل في بنية القرار الأميركي، وهيمنة توجهات غير متوازنة، في مرحلة تُدار فيها السياسة بعقلية تفتقر إلى الحرفية المطلوبة في لحظة تُعد من أخطر اللحظات التاريخية، سواء في ظل احتمال مواجهة مع الصين، أو في ظل شراكتها المتنامية مع روسيا، وتمرد بعض الحلفاء الأوروبيين، وتراجع النفوذ في شرق آسيا.
انعكست هذه التحولات على الداخل اللبناني، حيث تُرجمت في شكل انقلاب سياسي وضع لبنان أمام خطر وجودي، بفعل طموحات بعض المبعوثين والمستشارين الأميركيين الذين تحكمهم خلفيات أيديولوجية غير قابلة للتكيّف مع الواقع اللبناني. وقد طال هذا التأثير موقع رئاسة الجمهورية، التي ابتعدت عن دورها الجامع والتزامها الدستوري، وسقطت في تقاطع مصالح مع المشروع الأميركي والإسرائيلي.
وفي ظل غياب الدولة المرجعية والدستور الجامع، برز مشروع سياسي أعاد إحياء قوى اليمين بدعم خارجي، عبر أدوات السلطة التنفيذية، وعلى حساب الميثاق الوطني، الذي تحوّل من مظلة جامعة إلى أداة ضمن مشروع سياسي انقلابي، وضع لبنان في قلب الاستراتيجية الأميركية، مقابل تخوين من يدافع عن أرضه ووجوده.
وفي المقابل، تستمر إسرائيل في عدوانها، وسط عجز رسمي وتواطؤ ضمني، في مشهد يتكامل فيه الدور السياسي مع بعض المرجعيات الدينية والإعلامية، ضمن خطاب يعيد إنتاج انقسامات الحرب الأهلية، ويحمّل طائفة بعينها مسؤولية خياراتها، في محاولة لإعادة إنتاج نظام امتيازات طائفية، في مغامرة لا تهدد البنيان اللبناني فحسب، بل الوجود المسيحي في الشرق ككل، في ظل مشاريع دولية تعيد رسم خرائط المنطقة عبر كيانات هشّة.
في المحصلة، يبقى لبنان الخاسر الأكبر: بهويته، وتنوعه، ووحدته، ومستقبل العيش المشترك فيه. فهل يتّعظ اللبنانيون من دروس الماضي؟ أم أن البلاد تتجه نحو إعادة إنتاج أخطاء قاتلة، تضعها في قلب مشاريع تفكيك لا قدرة لها على تحمّل تبعاتها؟
وهل يدرك المسيحيون خصوصًا أبعاد هذه المرحلة وخطورة الانخراط في رهانات خارجية؟ وهل يمكن لمثل هذه الخيارات أن تحمي وجودهم، أم أنها قد تقود إلى نتائج معاكسة تهدد دورهم التاريخي؟
أسئلة مفتوحة على مستقبل مجهول، في وطنٍ لم يعد يحتمل المزيد من المغامرات.

شارك الخبر
error: !!