الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

متفرقات

العشقُ… يرتّلُ تراتيلَهُ الأخيرة ويتهاوى بصمت.

العشقُ… يرتّلُ تراتيلَهُ الأخيرة ويتهاوى بصمت.

بقلم : الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل.

أيُّ قلبٍ هذا الذي يجرؤ على الوقوف عند حافةِ الفناء دون أن يرتجف؟ وأيُّ عشقٍ ذاك الذي يُصرّ على البقاء، حتى وهو يشعر بأنّ نهايته تقترب في صمت؟
ليس كلُّ عشقٍ يولدُ ليحيا طويلًا؛ فبعضُه يأتي كزائرٍ ثقيلٍ على القلب، يحملُ في حضوره بذورَ نهايته. يطرقُ أبوابنا دون استئذان، ويغمرنا بدفءٍ مفاجئ، ثم يبدأ، شيئًا فشيئًا، في سحب ذلك الدفء حتى نجد أنفسنا عالقين بين ما كان وما لم يعد. كأنّه قدرٌ مكتوبٌ بحبرٍ خفي، لا نراه إلا حين يبدأ بالتلاشي.
في بداياته، يبدو العشقُ وعدًا مطلقًا بالحياة. يلمعُ كنجمةٍ قريبة، ونظنّ أنّ بلوغها ممكن. نُغرق أنفسنا في تفاصيله، في الكلمات الصغيرة، في النظرات التي تحمل ألف معنى، في الصمت الذي يصبح لغةً بحدّ ذاته. كلُّ شيءٍ فيه يُشبه الحلم؛ خفيف، طريّ، وممتلئٌ بالأمل. لكنّ الحلم، حين يطول، يكشف هشاشته، ويبدأ الواقع بالتسرّب من بين شقوقه.
ثمّ يأتي التحوّل الصامت؛ ذلك الانزلاق البطيء الذي لا ننتبه إليه في لحظته. تتغيّر النبرة، تتباعد المسافات، وتفقد الكلمات بريقها. لا يحدث الانكسار دفعةً واحدة، بل يتشكّل كشرخٍ صغيرٍ في القلب، يكبر مع الوقت حتى يصبح فجوةً لا تُرى، لكنها تُحسّ بكلّ وضوح. وهنا، يبدأ العشق بترتيل تراتيله الأخيرة، كأنّه يودّع نفسه بنفسه.
في أحد البيوت الهادئة، كانت هناك حكاية حبٍّ بدأت ببساطةٍ شديدة. شابّ وفتاة جمعتهما الأيام، فنسجا معًا تفاصيل صغيرة بدت كأنها ستدوم إلى الأبد. في البداية، كان كلّ شيءٍ نابضًا بالحياة: رسائل لا تنتهي، اهتمامٌ دافئ، وضحكاتٌ تملأ الفراغ. لكن مع مرور الوقت، تغيّر كلّ شيء دون ضجيج. لم تقع خيانة، ولم يحدث شجارٌ كبير، فقط بدأ الصمت يكبر بينهما. أصبحت الكلمات أقلّ، واللقاءات أندر، حتى صار كلّ واحدٍ منهما غريبًا في حياة الآخر.
وفي يومٍ عادي، دون قرارٍ واضح أو وداعٍ صريح، انتهت الحكاية. لم يبكِ أحدهما أمام الآخر، ولم تُقال كلمات الوداع التي تستحقها قصةٌ كهذه. فقط انسحبا بهدوء، كأنّ العشق نفسه هو من ارتّل تراتيله الأخيرة، ثم تهاوى بصمت.
هذا المثال ليس استثناءً، بل صورة متكرّرة لعلاقاتٍ كثيرة تنتهي دون صخب. فالعشق الذي يتهاوى بصمت لا يمنحنا رفاهية الانفجار أو البكاء العلني، بل يجعلنا نعيش النهاية بداخلنا وحدنا. نبتسم في العلن، بينما في الداخل تتهاوى مدنٌ كاملة من الذكريات. نحمل ماضينا كعبءٍ خفي، ونمضي، كأنّ شيئًا لم يكن، رغم أنّ كلّ شيءٍ فينا تغيّر.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ لهذا العشق قيمةً لا تُقاس بالخسارة وحدها. فهو، رغم ألمه، يكشف لنا وجوهًا جديدة لأنفسنا. يعلّمنا كيف نحبّ بصدق، وكيف ننكسر، وكيف نعيد ترميم ما تبقّى منا. يضعنا أمام حقيقتنا العارية، بلا أقنعة، ويجبرنا على مواجهة ضعفنا وقوّتنا في آنٍ واحد.
أحيانًا، يكون التهاوي ضرورةً لا مفرّ منها. فكما تسقط الأوراق في الخريف لتفسح المجال لولادةٍ جديدة، يسقط بعض الحبّ ليترك فينا مساحةً للنضج، للفهم، وربما لبداياتٍ أخرى أكثر وعيًا. ليس كلّ سقوطٍ نهاية، بل قد يكون شكلًا آخر من أشكال الاستمرار، لكن بوجهٍ مختلف.
وفي لحظةٍ ما، ندرك أنّ العشق قد انتهى، لا بصوتٍ عالٍ، بل بصمتٍ ثقيل. لا مشهد درامي، ولا وداع أخير، فقط إحساسٌ خافت بأنّ ما كان حيًّا فينا لم يعد كذلك. كأنّ شيئًا انطفأ بهدوء، دون أن يلاحظ أحد.
هنا، لا يبقى أمامنا سوى أن نقف على أطلال ما كان، لا لنندب الخسارة، بل لنعترف بأننا عشنا تجربةً كاملة، بكلّ ما فيها من جمالٍ وألم. أن نُسلّم بأنّ بعض القصص لا تُكتب لتدوم، بل لتُعلّم، لتترك أثرًا، ثم تمضي.
وفي النهاية، يرحل العشق كما بدأ: بصمت. يترك خلفه صدىً خافتًا، وذكرياتٍ تتردّد في زوايا الروح. لكنّه، رغم رحيله، لا يمحو نفسه تمامًا، بل يتحوّل إلى درسٍ عميق، إلى أثرٍ باقٍ، يذكّرنا دائمًا أنّ القلب، مهما انكسر، يبقى قادرًا على النبض من جديد… ولو بعد حين.

شارك الخبر
error: !!