وما زال السؤال نفسه،….هل يهزم السرطان.
كتب د حسن زين الدين
كنا أطفالًا في الصف الرابع الابتدائي، نرتاد مدرسة رسمية نائية، نلهو بفرح في ملعبها المحاط بأشجار السرو، بعيدين عن ضجيج المدينة وتلوّثها. كان الغياب عن المدرسة أمرًا نادرًا بيننا، باستثناء صبيٍّ واحد، نسيت اسمه، أو لعلّي تناسيته، لكن ملامحه لا تزال حاضرة في ذاكرتي: وجه ممتلئ، شعر أشقر، ونظرة غامضة.
كان يغيب بين الحين والآخر، دون تفسير، ولم نكن نسأل كثيرًا. وذات صباح، دخل معلمنا الصف وملامحه توحي بحزن غير معتاد، وقال بصوتٍ مخنوق:
“زميلكم توفي هذا الصباح… كان يعاني من ذاك المرض.”
لم نستوعب ما قاله. لم نكن نعتقد أن الموت قد يتسلّل إلى صف الرابع، ويخطف أحد أقراننا. كنا نظنه يلاحق المسنين فقط. أما أنا، فبقيت أطرح الأسئلة على نفسي: ما هو ذاك المرض الذي امتدّت يده القاسية إلى طفل في عمر الزهور؟
يومها، بدأت أواجه فكرة الموت لأول مرة، ولم تكن مفهومة بعد، لكنها مرعبة بما يكفي. أدركت أنه يستطيع أن يخطف من يشاء، دون إذن أو إنذار، من الصف، من البيت، ومن الحياة كلّها.
مرت السنوات، وانهيت دراستي في فرنسا بحصولي على شهادة الدكتوراه .
وبعد عودتي ، التقيت أحد أقاربي. الذي كان معروفًا بذكائه وخفّة روحه وضحكته العالية، لكنه في ذلك اليوم فاجأني عندما استقبلني بوجه مثقل بالأسى. بادرني قائلًا:
“أمّا وقد عدت من واحدة من أرقى الجامعات الأوروبية، ألم تسمع هناك عن أحد يستطيع أن يجد علاجًا للسرطان؟”
أذهلني سؤاله. تابع بنبرة موجعة:
“قرأت عن باحث في جامعة غرينوبل نال جائزة نوبل في الفيزياء… ألا يمكنه أن يهزم هذا المرض اللعين؟
سكت… ثم تابع، كنت أظنه يفتك بالجميع إلا بها… ب “جميلتي” اي زوجته. وها هي اليوم تصارع وقد تستسلم قريبًا.
في تلك اللحظة شعرت بضعف الإنسان أمام قدره، وتساءلت: إذا كانت العلوم عاجزة حتى الآن عن حماية البشر من هذا الألم، أفلا تبقى قاصرة، مهما بلغت من تطور وقدمت للإنسان من رفاه؟
صحيح أن الموت قدر لكنه ليس فناءً، بل تحوّل، هو وجه آخر للحياة. ربما لا ينبغي لنا أن نوقفه، حتى ولو استطعنا، لأنه يمنح الحياة معناها، ويجعلنا نتشبّث بها. لكن المرض، بخلاف ذلك، ليس قدرًا، ولا يحمل إلا الألم . إنه بشع، صارخ، متوحش.
وإن لم نستطع القضاء عليه، فلا أقلّ من أن نكافحه، أن نحدّ من آثاره، أن نواسي ضحاياه، وأن نبذل جهدًا لمنع تحوّله إلى قدر .
من هنا تنبع رسالة العلماء، تلك التي بدأتها ماري كوري، وسار على خطاها اليوم آلاف الباحثين في شتى أنحاء العالم، يعملون لإيجاد الترياق الشافي أو الكابح لهذا المرض، وهذا أضعف الإيمان.
لم تكن الجامعة اللبنانية بعيدة عن هذا المسار. بل دخلت معركة مواجهة السرطان بجدّية، عبر تأسيس مجموعة بحثية في كلية العلوم بقيادة الباحث الشاب الدكتور بسام بدران، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للجامعة.
أطلق هذا الفريق “مختبر المناعة وعلوم السرطان”، ونظم مؤتمرًا علميًا سنويًا بعنوان BioBeirut، كان لي شرف افتتاح أكثر من نسخة منه بوصفي عميدًا للكلية آنذاك.
ومؤخرًا، شهدنا النسخة الثانية عشرة من هذا المؤتمر، بمشاركة نخبة من الباحثين اللبنانيين والعالميين، من بينهم الدكتور محمد حيدر ممثلًا رئيس الجمهورية، والدكتور غسان أبو علْفا، والدكتور طوني شويري، والدكتور أحمد عواضة، وغيرهم من الأسماء اللامعة.
عقب الجلسة الافتتاحية، وخلال لقاءاتنا مع هؤلاء العلماء، شعرت بالطمأنينة. فوجود رجال ونساء منهمكين في فكّ شيفرات المرض الخبيث، يمنح الأمل بأن القادم أفضل.
تذكرت زميلي في الصف، وزوجة قريبي، وكثيرين غيرهم من أصدقاء وأقارب، خطفهم المرض. لكنني هذه المرة لم أشعر بالحزن وحده، بل بنوع من الرضى والأمل.
لأن العمل جارٍ، والجهود مستمرة، والمستقبل واعد يحمل للمصابين مفاجآت سارّة على صعيد الشفاء أو التكيّف مع المرض. أما الأصحاء، فبوسعهم تجنّب الإصابة، إذا استرشدوا بالعلم، واحتكموا للعقل.
حسن زين الدين

