الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار سياسية - محلية وعالمية

لبنان في قلب المعادلة: بين التفاهم الأميركي ـ الإيراني ومشاريع الاستسلام .

لبنان في قلب المعادلة: بين التفاهم الأميركي ـ الإيراني ومشاريع الاستسلام .
بقلم: د. محمد هاني هزيمة، محلل سياسي وخبير استراتيجي

بعد التوقيع على مذكرة تفاهم بين أميركا وإيران، التي شكّلت مدخلاً لضبط مختلف الجبهات، أصرّت فيها إيران على إدراج لبنان بنداً أساسياً. وهذا أدخله مرحلة جديدة من عمر وطنٍ في عين عاصفة أميركية، وهدف إسرائيلي يهدد وجوده، في ظل حرب مشاريع ترسم جغرافية المنطقة والعالم طبقاً لتوازنات جديدة، في زمن تحولات كبرى.
ومن الواجب استثمارها سياسياً على كل المستويات، واعتبارها فرصة حقيقية لمشروع بناء دولة قوية. إلا أن البعض لا يزال مصراً على إلحاق لبنان بالمشروع الأميركي للشرق الأوسط، متجاهلاً تعثره وتعطله. بل يعتبر ربط لبنان مباشرة بكيان إسرائيل، وإدخاله في سلام استسلام من بوابة التطبيع، خشبة خلاص تؤمن لهم الحماية والامتيازات، وتتحكم بالوطن وتحتكر قراره السياسي على حساب باقي المكونات.
تعز ذلك انقلاب بدأ لحظة تشكيل السلطة الحالية بمخالفة دستورية، راكمتها خطايا كبيرة تجاوزت التركيبة الحكومية التي لم تكن بمستوى الأحجام النيابية. وصولاً إلى قرارات مجلس الوزراء التي انقلبت على الميثاق الوطني والبيان الوزاري، وتماهت مع العدو مباشرة بمنح هدايا سياسية لرئيس حكومته المأزوم، قُدمت على شكل مفاوضات أطلقت يد جيش العدو. قبل ذلك، رفضت السلطة قرار وقف إطلاق النار ضمن الاتفاق الأميركي ـ الإيراني، والذي كان سبباً مباشراً لاستباحة العاصمة بيروت، فأوقع مئات الأبرياء بين شهيد وجريح.
ولم تحرك دماؤهم مشاعر أهل السلطة، ولا رئيس دبلوماسيتها الذي برر للعدو الإسرائيلي، مانحاً له أعذاراً تحت عنوان “وجود سلاح المقاومة”، الذي يشكل خطراً يقطع طريق انقلاب تغيير هوية لبنان. والواقع أن لبنان يقف على فالق زلزالي لمتغيرات سياسية تتفاوض فيها إيران لصالحه من موقع قوة. وقد أظهرت حرب “الإسناد” أن المقاومة اغتنمتها فرصة ذكية فرضت لبنان في قلب المعادلة، التي غيّرت فيها طهران توازنات المنطقة الاستراتيجية، وإن كان بكلفة كبيرة أنهت مرحلة صعبة في لبنان، كلّفت شهداء ودماراً وخسائر اقتصادية كبرى دفعها اللبنانيون خلال خمسة عشر شهراً من هدنة كانت من طرف واحد، عندما التزمت المقاومة بقرار الحكومة التي حصرت عملها بدبلوماسية خجولة، التزاماً بمشروع أوصلها إلى الحكم بمهمة رأس المقاومة وتأمين مفاوضات لبنانية ـ إسرائيلية خلافاً للدستور.
ليس ذلك إلا مساراً يوصل لبنان إلى الاستسلام، ويدخله في حالة صراعات داخلية تنهك وطناً في عين عاصفة أميركية ـ إسرائيلية. وقد شكّل موقف إيران وإصرارها على أن يكون لبنان بنداً رئيساً ضمن التفاهم الأميركي ـ الإيراني وصفة لإنقاذه من نهاية سوداء حتمية رسمها الأميركي لصالح إسرائيل.
ويُعتبر لبنان، بالمفهوم الأميركي، هدفاً يضمن أمن إسرائيل وتفوقها منذ تأسيسها. فائض من القوة العسكرية والدعم السياسي المطلق والدور على حساب المنطقة، فوق القانون، بخطوط دعم مفتوحة وإمداد عسكري غير محدود. إلا أن ذلك عجز عن إعادة دورها بعد انهيار منظومتها الصاروخية، وسقوط أسطورة جيشها، وفشل الحرب على إيران.

فرضت هذه الوقائع تحولاً كبيراً على المنطقة، بعدما أمسكت إيران بيدها مفتاح تصدير النفط، ورقة قوة توّجت صمودها العسكري وصياغة الردع ضمن محور توحدت فيه الساحات. جبهة حققت التكامل والتكافؤ، ورسمت حدود نفوذ تبدأ بمضيق هرمز وتصل إلى البحر المتوسط، مروراً بباب المندب والبحر الأحمر، بما فيهم العراق. منطقة تتجاوز الجغرافيا لتدخل في حساب التوازنات الاستراتيجية، مدفوعة بديموغرافيا وتوزع القوى الدولية التي أنزلت أميركا عن عرش الأحادية القطبية التي تحكمت فيها بمقدرات العالم، وسعت للإطباق على ثروات الشعوب والإمساك بكل أوراق القوة استعداداً لحرب الطاقة والمعادن والغزو الاقتصادي والذكاء الاصطناعي.
ميادين عجزت فيها واشنطن عن كبح الصين وتنامي دورها وحجمها، بما تملك من مؤهلات تكاملت مع إيران بموقعها في غرب آسيا، وشكلت أرضية لنظام عالمي تعددي أكثر عدالة. وقبل ذلك، إمدادات نفط وطاقة كسرت قيود العقوبات الأميركية، شكلت أساساً بنيوياً لمشروع إيران التحرري عبر حلفاء محور المقاومة وثقافة المواجهة.
بقي لبنان رأس حربة في مشروع مواجهة مفتوحة مع العدو الإسرائيلي، قلب المشروع الأميركي للمنطقة، الذي وضع أولى مداميك بنيانه في لبنان بعد زلزال سقوط النظام في سوريا. ودخلت أميركا مباشرة على خط الداخل اللبناني بانقلاب مقنع، شكّل سلطة من خارج توازنات البرلمان، تمردت على بيانها الوزاري ودفنت ميثاق العيش المشترك والدستور، تحت ثرى الدعم الأميركي وتقاطع المصالح مع إسرائيل.
ولم تبخل السلطة عليها بهدايا على حساب السيادة أولاً، وعلى حساب شعب يُقتل يومياً، تحول بنظر أهل الحكم عبئاً لا يمكن التعايش معه تحت سقف الثوابت الوطنية وحماية الوجود والتمسك بالوطن ورفض الإذعان للعدو وما يمليه الإسرائيلي.
أمام انقسام داخلي بين من يضحي من أجل الوطن ومن يضحي بالوطن لمصالحه، متمسكاً بالسلطة وقرار الوطن لربطه مباشرة بالمشروع الأميركي، لم يكتفِ بذلك، بل ذهب أبعد بكثير، معتمداً على الأميركي والإسرائيلي، مستعيناً بالإرهابي بخلفية انتقامية هدفها تدفيع المقاومة ثمن خيارها السياسي وشطب طائفتها من المعادلة بتفريغها من قيادتها.
بجهد وعمل لم يكن محصوراً بجهة بعينها، بل عملت عليه منظومة الحكم كاملة، شكلت السلطة رأس حربتها بقرارات عدوانية وحملات إعلامية وهجمات من رأس الدولة الذي أقسم على الدستور ثم انقلب على خطاب القسم. ومعه منابر في مواقع تاريخية رسمية ودينية ودنيوية، كان فيها دور رئاسة الدبلوماسية نافراً بانحيازه للعدو، تدعمه سفارات دول حليفة للعدو.
لم يسلم من ذلك أحياء وأموات، شهداء وجرحى، أو جمعية أو مؤسسة أو مدرسة. حتى المواطن المهجر من بيته تحول خطراً ديموغرافياً بنزعة جمعت التعصب والانعزال، بما احتوته من وجوه كالحة كانت تقتات على مائدة المقاومة وتأكل من أطباق العروبة، ولبست ثوب القضية الفلسطينية عقوداً قبل أن تخلعه طاعةً لعصا ابن فرحان أو سحر أبي عمر السنكري، وإبداعه في ترميم علاقات صبت في خانة معراب وجنسها العاطل وارتباطها بالعدو الإسرائيلي.
والذي يعتبر نفسه الخاسر الأكبر، نتنياهو، يدفع ثمن حاجة ترامب إلى تهدئة تقي أميركا شر هزيمة استراتيجية، وتغلق على ترامب باب خسارة حتمية، سواء في معركة انتخابية أو في حرب يريدها نتنياهو مغامرة جديدة بشراكة أميركية تجنبه نهاية سوداء حتمية.
يشاكس ميدانياً باستمرار حربه على لبنان، ساعياً إلى ضمانات من ترامب تحميه من الدخول إلى السجن وتضمن بقاءه مرحلياً في السلطة. ولتحقيق ذلك يطيل أمد الحرب، ويرفع سقف مطالبه، ويحاكي الداخل المحبط، ويحتاج إلى إنجاز تقدمه السلطة في لبنان ضمن المفاوضات المباشرة في واشنطن.
أما قراراتها التي وُلدت ميتة، فيريد نتنياهو إحياءها عبر ترتيبات أمنية تطلق يد إسرائيل في لبنان، وتفتح باباً يعز التنسيق مع السلطة في لبنان، التي دخلت في حالة موت سريري لا يمكن إعادتها إلى الحياة السياسية أمام متغيرات يحتاجها العالم، مبنية على توازن بالردع والرعب واستراتيجية المواجهة.
ولا يمكن فصل لبنان عن جبهة إيران أو اليمن أو العراق، مع حفظ سيادة كل دولة وخصوصيتها.

شارك الخبر
error: !!