“مراتب الأرواح… حين تهمس القلوب وتكشف المقامات”
في عالمٍ تكثر فيه الوجوه
وتتشابه الأقنعة، يبقى الإنسان الحقّ مميزًا لا بكلامه، بل بأثره. فالنفوس مراتب، والقلوب منازل، ومقامات البشر لا تُقاس بالأموال ولا بالألقاب، بل تُوزن بالحكمة، والرحمة، ونبل الخُلق.
يقول المتنبي:
*”إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهُ… وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا”*
في هذه الأبيات حكمة خالدة، تختصر واقع البشر؛ فكلّ نفس تُظهر ما تُخفيه حين تُختبر.
فمنهم من يسمو بصمته، ويضيء بكلمته، ويُشعرك بالسكينة حتى في عاصفة الغضب.
ومنهم من يعلو صوته، وتغيب حكمته، فلا ترى منه إلا صخبًا لا يثمر.
ذاك الذي يمسح دمعة الغريب دون أن يسأله عن اسمه، له مقام لا تدركه المناصب.
وذلك الذي يصغي لصوت حزنك، ويحتويه بلينٍ وأدب، هو صاحب مقام القلوب.
أما من يعلو على الناس تكبّرًا، ويتفاخر بما لا يُنفع، فهو مجرد عابر في ركب الحياة.
وكم من إنسان بسيط، لا يعرفه الناس، لكنه عند الله من المقرّبين، وعند أصحاب القلوب الحيّة من المكرّمين.
*القلوب مرآة الأرواح، فاختر أن تعاشر من يرى فيك روحك، لا مظاهرك، ومن يرفعك بالصمت حين يُخذلك الجميع.
فالمقامات ليست سلّمًا ماديًا، بل درجات في سماء الوعي والرقي.
رفقًا بنفسك… فإنك قد تكون عند البعض “عاديًّا”، لكنك في عيون آخرين “مقامٌ لا يُمسّ”.
*الناس مقامات… فلا تضع نفسك في غير مكانها!
ليست المظاهر ما تصنع القيمة… وليست الضوضاء ما تصنع الهيبة. في زمنٍ اختلط فيه البريق بالغبار، بات لا بدّ من أن نقولها بصوتٍ عالٍ: *الناس مقامات*، ومن لا يدرك ذلك، فليُبعدك الله عن جهله.
لا ترفع أحدًا لمجرد لباس أنيق أو منصب زائل، فقد يكون قلبه خواء، وعقله خواء، وروحه خاوية.
ولا تستخف بمتواضعٍ صامت، فقد يحمل في داخله جبلًا من الحكمة، وأخلاقًا تزن أُممًا.
*الناس مقامات، * منهم من وجوده يشبه البلسم، ومنهم من مروره يشبه الطعن.
منهم من إذا جالسْتَه رفعك، ومنهم من إن سكتّ أمامه نجوت من دناءته.
– من يبيعك كلمة طيبة في زمن اللؤم، له مقام النبلاء.
– ومن يشتريك بثمن، ثم يرميك حين تنتهي مصلحته، فذلك لا مقام له إلا في مزابل الذاكرة.
احفظ كرامتك، ولا تطرق أبوابًا أوصدت بوجهك مرارًا. لا تتشبث بمن لا يرى مقامك.
ولا تُجامل السفهاء… فمن يعاملك دون مقامك، لا تضعه فوق قدره.
“احترم من يحترمك… وضع النقطة على السطر.”
وفي زمن انكشفت فيه الأقنعة، كن أنت المقام العالي الذي لا يُشترى، ولا يُداس.
…فاختر مقعدك بين الناس بعناية، ولا تجلس حيث لا يُقدّر ظلك.
فلا تُضيّع ودّ من لا يستحق،
ولا تُخفض جناحك لمن لا يعرف قدرك.
الناس مقامات… ومن لا يعرفك إلا في حاجته، فهو ليس من مقامك.
ابقَ عاليًا، لا تتساوى مع الأرض إن كنت جبلًا.
بقلم المربية : فاطمة يوسف بصل الحاج حسن

