الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار سياسية - محلية وعالمية

الحرب… حين يكتب العالم تاريخه بالحريق

الحرب… حين يكتب العالم تاريخه بالحريق

بقلم : الكاتبة والمربية : فاطمة يوسف بصل

ليست الحرب مجرّد مواجهةٍ بين جيوش، بل هي ريحٌ عاتية تعبر الكوكب، فتقتلع الطمأنينة من جذورها، وتترك خلفها إنسانًا يرمّم قلبه بيدٍ ويرفع راية الصبر بالأخرى. هي ليست حدثًا يُروى، بل زلزالٌ يتردّد صداه في الأرواح قبل الأرض.

حين تشتعل الحرب في بقعةٍ ما، لا يبقى اللهب حبيس المكان، بل يمتدّ كأصابعٍ خفية، يطرق أبواب العالم كلّه. ترتجف المدن البعيدة دون أن تسمع القصف، ويستيقظ الخوف في عيونٍ لم ترَ الدمار، كأنّ الأرض كلّها جسدٌ واحد، إذا جُرح طرفٌ منه، نزف الباقي بصمت.

في تفاصيل الحياة اليومية، تتسلّل الحرب كظلٍّ ثقيل. رغيف الخبز يصبح أغلى من حكايات الجدّات، والوقود يتحوّل إلى همٍّ يومي، والناس يعدّون أيامهم لا بالساعات، بل بما تبقّى من صبر. هكذا، تغيّر الحرب إيقاع الحياة، فتجعل البسيط معركة، والعادي حلمًا بعيدًا.

أما المجتمعات، فتغدو مرايا مكسورة. العائلات تتناثر كأوراق الخريف، والبيوت تفقد دفئها، والطرقات تمتلئ بوجوهٍ تحمل أوطانها في حقائب صغيرة. اللاجئ ليس فقط من غادر أرضه، بل من أُجبر أن يترك جزءًا من روحه خلفه، معلّقًا على جدارٍ لم يعد له.

والأطفال… هم الحكاية التي لا تُقال كما يجب. يكبرون قبل أوانهم، كأنّ الطفولة رفاهية لا تتّسع لها الحروب. يرسمون بيوتًا بلا سقوف، ويكتبون أسماءهم على دفاتر يختلط فيها الحبر بالخوف. في عيونهم، تختبئ أسئلة أكبر من أعمارهم: لماذا يُسرق الأمان؟ ولماذا يصبح الحلم تهمة؟

اقتصاديًا، تبدو الحرب كتاجرٍ قاسٍ يعيد توزيع الخسارات. دولٌ تغرق، وأخرى تعلو على أمواج الألم. الأسواق ترتبك، والعملات تتعثّر، والعالم يدخل في لعبة توازنات جديدة، حيث يدفع الأبرياء فاتورة صراعٍ لم يختاروه.

لكنّ الخطر الأعمق، هو ما تفعله الحرب بإنسانية الإنسان. حين تتكرّر مشاهد الألم، يتعوّد القلب عليها، ويبهت الشعور. يصبح الدمار خبرًا عابرًا، والوجع رقمًا في نشرةٍ مسائية. وهنا، لا تخسر الحرب البيوت فقط، بل تسرق القدرة على الإحساس.

ومع ذلك، لا تنطفئ كلّ الشموع. في قلب العتمة، يولد ضوءٌ خافت: يدٌ تمتدّ لمساعدة غريب، أمٌّ تقاسم خبزها، شعبٌ يفتح أبوابه لمن ضاقت بهم الأرض. كأنّ الحرب، رغم قسوتها، تعجز عن قتل النبل في بعض القلوب.

الحرب قصيدةٌ سوداء يكتبها العالم بالحريق، لكنها أيضًا امتحانٌ لضميره. وبينما تتصارع القوى على الخرائط، يبقى الإنسان هو السطر الأكثر ألمًا في هذه الحكاية.

وربما، في مكانٍ ما الآن، طفلٌ ينام على صوت الخوف، يحلم فقط بيومٍ عادي… بلا انفجارات، بلا فراق، بلا دموع. طفلٌ لا يريد أكثر من أن يستيقظ ليجد أمه إلى جانبه، ونافذته مفتوحة على شمسٍ لا تحمل معها دخانًا.

حين نفهم أن هذا الحلم الصغير هو أعظم أمنيات الأرض… عندها فقط، قد يبدأ العالم بالتعلّم كيف يكون السلام.

شارك الخبر
error: !!