“نهاية الجمهورية الثانية… ودفن اتفاق الطائف بصمتٍ مدوٍّ”
بقلم: فاطمة يوسف بصل
في زحمة الضجيج السياسي، وفي زمن التهويل والاستحقاقات المؤجلة، تُدفن الجمهورية الثانية بصمتٍ مدوٍّ. لا عزاء رسمي، ولا نعي سياسي، فقط ملامح وطنٍ تتغيّر، ومعالم دستورٍ يُنسف بندًا تلو بند، تحت عنوان “التسوية” و”الواقعية السياسية”. اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية ووضع ركائز الجمهورية الثانية، لم يعد يُحترم إلا على الشفاه. أما في التطبيق، فهو جثة على طاولة المزايدات، تنهشها مصالح الخارج، وتتواطأ عليها نوايا الداخل.
لا انتخاب رئيس كما ينص، ولا تشكيل حكومة كما يفترض، ولا توازن بين السلطات كما حلم اللبنانيون حينها. حتى المناصفة التي قيل إنها ضمانة، باتت شماعة تُستخدم حين اللزوم وتُنسى عند التقاسم. الطائف مات حين أصبحت الدولة عاجزة عن حماية قرارها، وحين اختُزلت المؤسسات بأشخاص، والمواقف برسائل خارجية. مات حين غاب القضاء، واستُبدل الأمن بالإعلام، والسلاح بالتسويات المريبة.
وها نحن اليوم، أمام “جمهورية الفراغ”، حيث لا رأس لها، ولا قلب، ولا اتجاه. وكل من في الحكم يهرب من السؤال الكبير: من قتل الطائف؟ أهو الانقلاب على المناصفة؟ أم الانصياع للغرب؟ أم هو الطمع بالحكم حتى لو زُرع فوق ركام وطن؟
نعم، دفن الطائف، لكن الصمت كان أبلغ من ألف ضجيج. صمت القلوب التي صدّقت يومًا أن لبنان يمكن أن ينهض بتسوية، وصمت الجنوب الذي لم يُستشار في مصير البلاد، وصمت المقاومين الذين يحمون الكيان فيما تُناقش شرعيتهم على طاولات الخارج.
في كل هذه الفوضى، تبقى الحقيقة الوحيدة: من لم يحفظ الاتفاق، لا يحق له أن يطالب بسلاح المقاومة. ومن لم يصن الجمهورية، لا يجوز أن يبكي على الدولة.
فليُكتب في سجل هذه المرحلة: “في زمن غياب الرؤساء… رحل الطائف، ودُفنت الجمهورية الثانية، تحت أنقاض المصالح.”
إنها لحظة فارقة في تاريخ لبنان، حيث يبدو أن الجمهورية الثانية قد رحلت دون رجعة. فهل نستطيع أن نعيد بناء ما دُمر، أم أننا سنبقى عالقين في دوامة الفراغ والانقسام؟
الجمهورية الثانية كانت حلمًا، وكان وعدًا، وكان أملًا في مستقبل أفضل. لكنها الآن تتحول إلى ذكرى، إلى حلمٍ بعيد المنال. فهل نستطيع أن نحافظ على ما تبقى من هذا الحلم، أم أننا سنتركه يموت ببطء؟
إن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه اليوم هو: ما هو البديل؟ هل نستطيع أن نبني دولة قوية، دولة عادلة، دولة تحمي حقوق مواطنيها؟ أم أننا سنبقى عالقين في دوامة الفساد والانقسام؟
إن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، ولكنها ضرورية. فلبنان يحتاج إلى قيادة حكيمة، تحتاج إلى سياسيين يضعون مصلحة الوطن فوق مصالحهم الشخصية. يحتاج إلى مواطنين يطالبون بحقوقهم، ويحمون وطنهم.
فليكن شعارنا جميعًا: “لبنان أولًا”، “الجمهورية الثانية تُبعث من جديد”، “الوطن يُحيا بالوحدة والتضامن”. فلنعمل جميعًا من أجل بناء وطن قوي، وطن عادل، وطن يحمي حقوق مواطنيه.

