بين التهويل والتبرؤ من المسؤولية: هل تكذب ريما كرامي لتحّتمي بالرئيس بري؟
كتب منير حرب
١٩ حزيران ٢٠٢٦

منذ أسابيع، تقوم وزيرة التربية ريما كرامي بجولات مكوكية على القيادات السياسية والروحية، محاولة تسويق خيار إجراء الامتحانات الرسمية رغم الظروف الأمنية والاستثنائية التي يعيشها لبنان، وخصوصاً المناطق الجنوبية والبقاعية التي تدفع يومياً أثمان القلق والخوف وعدم الاستقرار.
وفي إطار هذه الجولات، زارت رئيس مجلس النواب نبيه بري كما زارت غيره من المرجعيات السياسية والروحية. لكن ما يثير الاستغراب هو محاولة الوزيرة لاحقاً الإيحاء بأن الرئيس بري هو من رفض خيار الإفادات، وكأن القرار بات مرتبطاً بموقفه الشخصي لا بموقف وزارة التربية أو مجلس الوزراء.
الحقيقة أبسط من كل محاولات التهويل والتسويق السياسي. فالرئيس بري ليس المرجعية الدستورية التي تقرر إجراء الامتحانات أو إلغاءها، ولا هو الجهة المخولة إعطاء الإفادات أو منعها. هذه مسؤولية وزارة التربية أولاً، ومسؤولية مجلس الوزراء مجتمعاً ثانياً.
وعندما التقت الوزيرة الرئيس بري، لم يخرج عنه أنه طلب إجراء الامتحانات بأي ثمن، كما لم يطلب إلغاءها أو استبدالها بالإفادات. بل أعاد الملف إلى أصحابه الطبيعيين، تاركاً للوزيرة وللحكومة تقدير الموقف واتخاذ القرار المناسب.
لكن يبدو أن الوزيرة، بعدما وضعت نفسها في مواجهة قسم واسع من الأهالي والهيئات التربوية، تبحث عن شماعة سياسية تعلق عليها نتائج خياراتها. فبدلاً من تحمل مسؤولية القرار، تحاول توزيع المسؤولية على الآخرين.
وما جرى في دار المعلمين في صيدا كان كاشفاً لهذه المقاربة. فعندما واجهتها إحدى النساء الجنوبيات بسؤال مباشر حول كيفية إجراء الامتحانات في ظل الظروف الأمنية الصعبة، لم يكن جواب الوزيرة مبنياً على رؤية تربوية أو خطة حماية للطلاب، بل سارعت إلى القول إن “الرئيس نبيه بري رفض إعطاء الإفادات”.
هذا الجواب لم يكن سوى محاولة وكذبة جديدة لرمي كرة النار في ملعب الرئيس بري، بعد أن بدأت حرارة الاعتراضات الشعبية تقترب من وزارة التربية نفسها.
والسؤال البديهي هنا: إذا كان الرئيس بري، بحسب رواية الوزيرة، يملك قرار الإفادات أو منعها، فلماذا تجتمع الحكومة؟ ولماذا توجد وزارة تربية أصلاً؟ ولماذا تتحدث الوزيرة يومياً عن صلاحياتها وخططها إذا كانت القرارات النهائية بيد الآخرين؟
المشكلة ليست في موقف الرئيس بري، بل في محاولة استغلال اسمه للهروب من المسؤولية. فحين يكون القرار شعبياً يُنسب إلى الوزارة، وحين يصبح القرار موضع اعتراض تُفتش الوزارة عن جهة سياسية تتلقى عنها الضربات.
إن الطلاب وأهاليهم لا يريدون سجالاً سياسياً ولا تبادلاً للمسؤوليات. يريدون قراراً واضحاً وشجاعاً تتحمل الجهة المختصة مسؤوليته كاملة. أما تحويل المرجعيات السياسية إلى دروع واقية للوزارة عند كل أزمة، فهو سلوك لا يليق بإدارة ملف تربوي مصيري يتعلق بعشرات آلاف التلامذة.
اليوم، المطلوب من الوزيرة ريما كرامي أن تتوقف عن الاختباء خلف أسماء القيادات السياسية، وأن تقول للبنانيين بوضوح: هل قرار إجراء الامتحانات هو قرارها وقناعتها أم قرار الآخرين؟ وإذا كانت مقتنعة به، فلتتحمل مسؤوليته كاملة أمام الطلاب والأهالي والتاريخ، بدلاً من محاولة توزيع الأعباء على من لم يطلب منها لا إجراء الامتحانات ولا إلغاءها.
فالقيادة تُقاس عند لحظة اتخاذ القرار، لا عند لحظة البحث عن شريك يتحمل تبعاته.

