الشغف… أوله جنون وآخره خلود
بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل .
ليس كل ما يولد داخل الإنسان يمكن تفسيره بسهولة، فبعض المشاعر لا تأتي لتُفهم، بل لتُغيّر.
ومن بين هذه المشاعر، يقف الشغف كحالة استثنائية لا تشبه غيرها؛ حالة تجعل الإنسان أكبر من واقعه، وأعمق من احتمالات الاستسلام داخله في الوقت نفسه.
الشغف ليس رغبة عابرة في النجاح، ولا اندفاعًا لحظيًا نحو هدفٍ ما، بل هو طريقة مختلفة في رؤية الحياة.
هو أن ترى في التفاصيل الصغيرة معنىً كبيرًا، وأن تشعر أن العالم لم يكتمل بعد، وأن في داخلك مسؤولية خفية للمساهمة في إعادة تشكيله ولو بشكلٍ بسيط.
ولهذا، يبدو الشغف في بدايته كأنه نوع من “الجنون النبيل”.
لأن الشغوف لا يتحرك وفق منطق الاستقرار الذي يفرضه المجتمع، بل وفق منطق داخلي أعمق، يقول له إن هناك ما يستحق أن يُخاض من أجله الطريق مهما كان صعبًا.
ومن أبرز الأمثلة العربية التي تجسّد هذا المعنى الأديب اللبناني جبران، الذي لم يكن مجرد كاتب عادي، بل حالة فكرية وروحية متفرّدة.
نشأ في بيئة بسيطة، لكنه حمل داخله أسئلة أكبر من محيطه، وصاغ لنفسه طريقًا أدبيًا وفكريًا لا يشبه السائد.
لم يكن جبران يكتب ليصف الواقع كما هو، بل ليكشف ما وراءه.
كان يرى الإنسان ككائن يبحث عن معنى، عن حرية، عن حب لا يُقيد، وعن روح لا تُهزم بسهولة.
ولهذا جاءت كتاباته مشحونة بشغف عميق، شغف لا يهادن الواقع، ولا يرضى بالإجابات السطحية.
في أعماله، وخاصة في النبي، يتجلّى هذا العمق الذي يتجاوز الأدب إلى الفلسفة.
لم يقدّم جبران قواعد جاهزة أو أجوبة نهائية، بل فتح مساحات واسعة للتأمل، وكأنه يدعو القارئ إلى أن يشارك في صناعة المعنى، لا أن يكتفي بتلقّيه.
هذا النوع من الكتابة لا يولد من عقل بارد، بل من روح مشتعلة، تعيش حالة دائمة من البحث، وكأنها لا تؤمن بأن الحقيقة يمكن أن تُختصر في شكل واحد.
لكن هذا الشغف لم يكن طريقًا سهلًا.
فجبران، مثل كثير من أصحاب الرؤى المختلفة، عاش بين الاعتراف والاغتراب، بين الإعجاب والرفض، بين الجمال والقلق الداخلي.
وهنا تتجلّى الحقيقة الصعبة: الشغف لا يمنح صاحبه حياة مريحة، بل حياة مكثفة، مليئة بالأسئلة التي لا تهدأ.
ومع ذلك، فإن ما يميّز الشغف أنه لا ينتهي بانتهاء صاحبه.
فالأفكار التي تولد من نار الشغف لا تموت، بل تتحول إلى أثر ممتد يعبر الزمن ويصل إلى أجيال لم تعرف صاحبها مباشرة.
وهكذا، لم يعد جبران مجرد اسم في تاريخ الأدب، بل أثرًا حيًا في الوعي الإنساني.
كلماته ما زالت تُقرأ حتى اليوم، وكأنها تُكتب من جديد، لأن ما فيها لم يكن مرتبطًا بزمن، بل بروح إنسانية تبحث دائمًا عن المعنى.
وهنا يظهر جوهر الشغف الحقيقي:
أنه لا يستهلك صاحبه فقط، بل يمنحه فرصة لأن يتحول إلى أثر.
فبعض الناس يعيشون ليعبروا الحياة، بينما يعيش آخرون ليتركوا خلفهم فكرة لا تموت.
الشغف في بدايته جنون، لأنه يكسر المألوف ويغامر بما هو غير مضمون.
وفي نهايته خلود، لأنه يحوّل التجربة الفردية إلى معنى إنساني يبقى حتى بعد رحيل الجسد.
وفي النهاية، يمكن القول إن الشغف هو الخط الفاصل بين من يعيش ليعبر الحياة، ومن يعيش ليترك فيها علامة.
هو ما يجعل الإنسان لا يُقاس بعمره، بل بأثره، ولا بما امتلكه، بل بما أشعله في العقول والقلوب من بعده.

