بين بكين وطهران: ترامب يبحث عن استسلام لا عن اتفاق
سمير باكير يكتب –
لا يخفى على متابعٍ أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة، والتي وصف فيها الرد الإيراني بأنه “غير مقبول”، تحمل أكثر من مجرد رفض دبلوماسي. فالرجل لا يبحث عن حل، بل عن استسلام تقني يُجرد طهران من أوراق قوتها السيادية، وفي مقدمتها اليورانيوم المخصب وتفكيك المنشآت النووية. وهذا الطلب الذي يعيده ترامب اليوم، هو نفسه الذي كان على لسان نتنياهو، ما يؤكد أن إسرائيل لا تزال تمسك بخيوط اللعبة من الخلف.
صحيح أن إيران أبدت ليونة بقبولها تجميد التخصيب لفترة، لكن الإدارة الأميركية عادت لترفع السقف إلى مستوى التفكيك الكامل، وكأن الهدف هو إحراج طهران لا الوصول إلى اتفاق. ترامب اليوم عالق على شجرة عالية بعد أن صعد إليها سريعاً بتصريحاته النارية، لكنه لا يعرف كيف ينزل دون أن يعلن نصراً ولو وهمياً. فهو أمام خيارين: العودة إلى حرب قد لا تجدي نفعاً الآن، أو إقناع طهران بتنازلات ترفضها، وهي التي تصف عرضها الأخير بأنه كان “سخياً”.
الأكثر دلالة هو التوقيت. فترامب يتجه إلى بكين الأربعاء المقبل في زيارة تستمر يومين، وهناك فقط قد يُكتب أي توافق مرتقب. الصين، التي سبقها إليها وزير الخارجية الإيراني عراقجي بأسبوع، وضعت كل الأوراق بيد الرئيس الصيني. ترامب يريد أن يبيع الموقف للتنين الصيني، ويعلن من هناك أن القوى العظمى هي التي اتفقت، في إطار ترتيب أوراق النفوذ والصراع مع بكين. ما نراه الآن من تهويلات وتحليلات ليس سوى مراوغة وكسب وقت حتى وصوله إلى هناك.
لكن السؤال الأخطر: هل ينتظر ترامب حتى بكين، أم أنه يفاجئ الجميع بضربات عسكرية خاطفة قبيل سفره؟ لا نستبعد شيئاً، خصوصاً مع ضغوط نتنياهو للعودة إلى حرب أكثر شراسة. غير أن المشهد اليوم مختلف عن قبل ثلاثة أشهر: فترامب مثقل باستحقاقات داخلية، أبرزها الانتخابات النصفية التي قد تقضي على ما تبقى من ولايته، إضافة إلى كأس العالم التي ستتحول إلى أغلى بطولة إذا استمرت النار مشتعلة. والأهم أن 70% من الأميركيين يريدون اتفاقاً مع إيران، و60% يرون أن الحرب معها هي حرب إسرائيلية لا أميركية. أرقام التكلفة تجاوزت 100 مليار دولار، والمستقلون انقلبوا شبه كلياً نحو الديمقراطيين.
في المحصلة: الحرب اليوم مقامرة كبرى قد يدفع ثمنها ترامب نفسه. وإيران تعرف جيداً أنه مطوق باستحقاقاته الداخلية والخارجية، لذا ردت بما يخدم مصالحها لا ما يُرضي واشنطن. الأيام المقبلة حاسمة، والإصبع على الزناد.

