الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

متفرقات

المؤسسات الإصلاحيّة وصناعة الأمل …

المؤسسات الإصلاحيّة وصناعة الأمل …

 

كتب الاستاذ والباحث القانوني  يوسف حنا الخوري :

شهدت السياسة العقابيّة في العقود الأخيرة تحولاً جذرياً في نظرتها إلى السجون والمؤسسات الإصلاحيّة، فلم تعد العقوبة تُفهم بوصفها وسيلة للإنتقام من الجاني أو عزله عن المجتمع فقط، بل أصبحت أداة تهدف إلى إعادة بناء الإنسان وتقويم سلوكه وتأهيله للعودة إلى الحياة الطبيعية. ومن هذا المنطلق برز مفهوم “المؤسسات الإصلاحية” التي تسعى إلى صناعة الأمل داخل بيئة غالباً ما إرتبطت في أذهان الناس بالخوف والعقاب. فالمجتمعات الحديثة أدركت أن الجريمة لا تُعالج بالقسوة وحدها، بل بمعالجة أسباب الإنحراف وإعادة دمج الجاني داخل المجتمع بصورة تضمن عدم عودته إلى السلوك الإجراميّ.
على ضوء ذلك، تستند الفلسفة الإصلاحية الحديثة إلى فكرة أساسية مفادها أن الإنسان قابل للتغيير مهما بلغت خطورة الجريمة التي إرتكبها، وأن العقوبة الحقيقية لا تكتمل إلا إذا ساهمت في إصلاح الفرد نفسياً وإجتماعياً وفكرياً. لذلك أصبحت المؤسسات الإصلاحية تعتمد برامج تعليميّة ومهنيّة ونفسيّة تهدف إلى إعادة تشكيل شخصيّة النزيل وتعزيز شعوره بالمسؤوليّة والإنتماء للمجتمع. كما أن توفير بيئة إنسانيّة داخل السجون يسهم في تخفيف مشاعر العنف والكراهيّة التي قد تتولد نتيجة المعاملة القاسيّة أو العزل التام، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على معدلات العود الجرميّ.
فقد أثبتت تجارب دولية عديدة نجاح هذا النهج الإصلاحي في الحد من الجريمة وتحقيق الأمن المجتمعي. ومن أبرز هذه النماذج تجربة النرويج التي تُعد من أكثر الدول إهتماماً بإعادة التأهيل داخل السجون. ففي سجن “هالدن”، الذي يُعرف بأنه أحد أكثر السجون إنسانيّة في العالم، يحصل النزلاء على فرص للتعليم والتدريب المهني وممارسة الأنشطة الرياضيّة والفنيّة ضمن بيئة تحترم الكرامة الإنسانيّة. وقد ساهم هذا النموذج في خفض معدلات العودة إلى الجريمة بشكل ملحوظ مقارنة بالعديد من الدول الأخرى، حيث تؤمن السلطات النرويجية بأن أفضل وسيلة لحماية المجتمع هي إصلاح الجاني لا تحطيمه.
أما في ألمانيا تعتمد المؤسسات الإصلاحية برامج متقدمة لإعادة الإدماج الإجتماعي، إذ يُسمح لبعض السجناء بالعمل خارج المؤسسة العقابية خلال النهار والعودة إليها مساءً، بما يساعدهم على الحفاظ على إرتباطهم بالحياة الطبيعية وعدم الإنفصال الكامل عن المجتمع. كما تُركز السلطات الألمانية على العلاج النفسي والتأهيل السلوكي، خاصةً في الجرائم المرتبطة بالإدمان والعنف الأسري، إنطلاقًا من فكرة أن كثيراً من الجرائم ترتبط بمشكلات إجتماعية ونفسية من داخل العائلة تحتاج إلى علاج أكثر من حاجتها إلى العقاب فقط.
في المقابل، تُظهر بعض التجارب الدوليّة كيف يمكن أن يؤدي غياب البرامج الإصلاحيّة إلى نتائج عكسيّة. ففي عدد من الدول التي تعاني من الإكتظاظ وسوء ظروف الإحتجاز وضعف الرعاية النفسيّة، تتحول السجون أحياناً إلى بيئات تُغذي العنف والإنحراف بدل الحد منه، حيث يخرج بعض النزلاء أكثر خطورة مما كانوا عليه قبل دخولهم السجن. وهذا ما يؤكد أن العقوبة وحدها لا تكفي لتحقيق الردع، وأن إهمال الجانب الإصلاحي قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة بدل حلها.
إذاً، لا يقتصر دور المؤسسات الإصلاحية على النزيل وحده، بل يمتد أثرها إلى المجتمع بأكمله. فكل شخص يتم إصلاحه وإعادة دمجه بنجاح يمثل عُنصراً منتجاً بدل أن يكون مصدر تهديد أو عبء إجتماعي. كما أن تقليل معدلات العود الجرميّ يخفف من الأعباء الاقتصادية والأمنية التي تتحملها الدولة نتيجة تكرار الجرائم والمحاكمات وعمليات الإحتجاز. لذلك فإن الاستثمار في برامج الإصلاح والتأهيل يُعد إستثماراً في الأمن والإستقرار والتنمية الإجتماعية.
يبقى السؤال الجواهري الواجب طرحه في ظل التحول الجذريّ في السياسة العقابيّة ألا وهو: أين تقف السجون اللبنانيّة مقارنة بالنماذج الإصلاحيّة المتطورة في العالم؟
تُعدّ السجون في لبنان من أكثر المؤسسات التي تبقى بعيدة عن الأنظار العامة. خلف الجدران العاليّة والإجراءات الأمنيّة المُشددة، يعيش آلاف الموقوفين والسجناء في ظروف نادراً ما يتم توثيقها بشكل مفصّل. فنظام السجني اللبناني يواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة الإكتظاظ والأزمة الإقتصادية وتراجع الإمكانات المؤسسيّة.
تعاني السجون اللبنانيّة من إكتظاظ حاد، خصوصاً في سجن رومية وسجن طرابلس، حيث يتجاوز عدد النزلاء القدرة الإستيعابية بشكل كبير، ما ينعكس سلباً على البنية التحتية وظروف الإحتجاز والخدمات الأساسيّة. ويؤدي هذا الإكتظاظ إلى تدهور الأوضاع الصحيّة نتيجة ضعف التهوية وإرتفاع الرطوبة وقلة التعرض لأشعة الشمس، إضافةً إلى نقص الأسرّة والمفروشات وسوء حالتها. كما فاقمت الأزمة الاقتصاديّة هذه التحديات عبر تراجع خدمات النظافة ونقص مواد التعقيم والصابون، فضلًا عن محدوديّة الغذاء من حيث التنوع والقيمة الغذائيّة. وتعاني السجون كذلك من ضعف في الرعاية الصحيّة بسبب نقص الكوادر الطبيّة وصعوبة الوصول إلى الإختصاصات، مع الإعتماد أحياناً على المساعدات الإنسانيّة لتأمين الأدويّة. وفي هذا السياق، تتفاوت ظروف الإحتجاز بين سجن وآخر، إلا أن الصورة العامة تعكس أزمة بنيوية تمس كرامة السجناء وتستدعي إصلاحاً شاملًا يضمن الحد الأدنى من المعايير الإنسانيّة.
رغم هذه التحديات، لا يمكن إغفال بعض المبادرات الإيجابيّة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، سواءً من قبل الدولة أو منظمات المجتمع المدني، والتي هدفت إلى تحسين أوضاع السجون وتوفير برامج تعليميّة وتدريبية للنزلاء. فقد شهدت بعض السجون اللبنانيّة نشاطات مهنية وثقافية ودورات تعليمية تهدف إلى إعادة تأهيل السجين ودمجه في المجتمع بعد الإفراج عنه. إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة إذا ما قُورنت بحجم المشكلات القائمة والحاجة إلى إصلاح شامل للسياسة العقابيّة في لبنان.
ومن هنا، فإن تطوير السجون اللبنانيّة يتطلب تبني رؤية إصلاحية حديثة تنطلق من إعتبار السجين إنسانًا قابلاً للتغيير، لا مجرد شخص يستحق العقاب. ويشمل ذلك تحسين ظروف الإحتجاز، وتخفيف الإكتظاظ، وتسريع المحاكمات، وتوسيع برامج التأهيل النفسيّ والمهنيّ، إضافةً إلى توفير الرعاية الصحيّة والإجتماعيّة اللازمة. فنجاح أي مؤسسة إصلاحيّة لا يقاس بعدد السجناء الموجودين فيها، بل بقدرتها على تقليل معدلات العود الجرميّ وتحويل النزيل إلى فرد صالح ومُنتج داخل المجتمع.
وإستخلاصاً لما سبق، تُعد المؤسسات الإصلاحيّة الحقيقية ليست تلك التي تكتفي بإغلاق الأبواب على السجناء، بل تلك التي تفتح أمامهم أبواب التغيير والأمل. فالمجتمع الذي يمنح المُخطئ فرصة للإصلاح يملك قدرة أكبر على تحقيق العدالة والإستقرار من المجتمع الذي يكتفي بالعقاب وحده. ومن هنا، تبقى المؤسسات الإصلاحية ركيزة أساسيّة في بناء مجتمع إنساني متوازن، يُؤمن بأن الإنسان قد يُخطئ، لكنه قادر دائماً على النهوض من جديد إذا وجد من يَمد لهُ يدّ الأمل.

شارك الخبر
error: !!