الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار سياسية - محلية وعالمية

الصحافة: جهادُ الكلمة وبوصلةُ بناء الإنسان المدني.

الصحافة: جهادُ الكلمة وبوصلةُ بناء الإنسان المدني.

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

لم يمت الصوت… بل قُتِل قبل أن يصل.
من سيكتبُ عن الذين رحلوا قبل أن يُكملوا جملتهم الأخيرة؟ من سيحملُ الكلمات التي سقطت من أفواههم تحت الركام، قبل أن تصل إلينا؟ هناك دائمًا حكايةٌ ناقصة، صوتٌ مكسور، ونبضٌ توقّف وهو يحاول أن يقول الحقيقة… ثم لم يُمهَل.
في هذا العالم، لا يموت الناس فقط… تموت معهم قصصٌ، واعترافاتٌ، وحقائقُ كان يمكن أن تغيّر شيئًا. تُدفن الحكايات بصمت، ويعلو فوقها ضجيج النسيان، كأن شيئًا لم يكن. لكنّ الكلمات لا تموت بسهولة، تظلّ عالقةً في الهواء، تبحث عمّن يُنقذها، عمّن يمنحها فرصةً أخيرة للحياة.
هنا… تولد الصحافة. لا كترفٍ فكري، ولا كمهنةٍ عابرة، بل كوجعٍ لا يجد خلاصه إلا بالكلام. تولد لتكون صوت من لا صوت له، وذاكرة من لا ذاكرة له، وشهادةً في وجه عالمٍ يتقن طمس الحقيقة أكثر مما يتقن قولها.
من رحمِ الصمتِ الموحش، ومن بينِ أنقاضِ الحقيقةِ المطمورة، تنبثقُ الصحافةُ كفجرٍ لا يُؤجَّل، لا كخبرٍ عابرٍ يُروى، بل كقدرٍ يُكتَب، وكصرخةٍ تُعيدُ للمعنى نبضه، وللكلمةِ كرامتَها. ليست حروفًا تُرصّ على الورق، بل روحٌ متمرّدة تأبى الانكسار، ونورٌ عنيد يشقّ عتمةَ العالم مهما اشتدّ الظلام.
في ميدانها، لا تُسمعُ قرقعةُ السلاح، بل صهيلُ الفكرة وهي تنطلق، ولا يُقاسُ النصرُ بعدد الضحايا، بل بقدرة الحقيقة على البقاء. هناك، حيث تتهاوى الأقنعة وتُفضَح الوجوه، تقفُ الصحافةُ حارسًا لا ينام، تخوضُ معاركها بحروفٍ مشتعلة، تصوغ من الصدق درعًا، ومن الجرأة سيفًا. إنها جهادٌ بالكلمة، حين يصبح الحرفُ موقفًا، والسكوتُ خيانة.
ولأنّ الكلمة الصادقة تُقلق، فإنها كثيرًا ما تُحاصَر، وتُستهدف، ويُدفع ثمنها من أعمار أصحابها. وما بين الاستهداف ومحاولة الإخماد، تتجلّى الحقيقة في أشدّ صورها وجعًا… يوم استُهدِف المكان الذي احتمت فيه الإعلامية أمال خليل أثناء متابعتها عملها الصحافي، فانتُشلت من تحت الأنقاض، لا كجسدٍ أنهكه الركام، بل كقضيةٍ تخرج من قلب الموت أكثر حضورًا. لم تكن تكتب من بعيد، بل كانت في قلب الحكاية، تلتقط نبض الناس وتحرس وجعهم من الضياع. وحين غاب صوتها، لم يصمت، بل تحوّل إلى صدى يتردّد في ضمير كل حرّ: أن الكلمة الصادقة قد تُستهدف، لكنها لا تُغتال، وأن الحقيقة، وإن دُفنت تحت الركام، تعود لتنهض، أقوى، وأبقى.
والصحافة، قبل أن تنقل الحدث، تُعيدُ خلق الإنسان. تنحت وعيه كما ينحت الفنان تمثالًا من صخر، تعلّمه كيف يشكّ ليصل، وكيف يسأل ليعرف، وكيف يرى ما وراء الظاهر. تفتح له أبواب التساؤل، وتحرّره من أسر التلقين، فتُخرجه من ظلال الغفلة إلى أفق الإدراك.
وفي كنفها، يتشكّل الإنسان المدني: إنسانٌ لا تُخدّره الشعارات، ولا تبتلعه الفوضى، بل يقف على أرضٍ من وعي، يُحسن الإصغاء دون أن يفقد صوته، ويختلف دون أن ينكسر. يؤمن أنّ الحقيقة ليست هبة تُمنَح، بل حقّ يُنتزع بعقلٍ حيّ وقلبٍ يقظ.
غير أنّ هذه الشعلة قد تنحرف إن تلوّثت، فتغدو نارًا تُحرق الوعي بدل أن تُنيره، وسلاحًا يُضلّل بدل أن يحمي. وفي لبنان، حيث تختلط الحقيقة بضجيج المصالح، يُصبح استخدام الصحافة أحيانًا أداةً للتمويه لا للكشف، ومنبرًا للتوجيه لا للتنوير. وهنا تكمن الخطيئة الكبرى: أن يُستباح الحرف، وأن يُسخَّر الوعي، وأن تتحوّل الكلمة من رسالةٍ إلى أداة نفوذ.
وفي الختام، ليس أخطر على الأوطان من عدوٍّ يُرى، بل من حقيقةٍ تُحرَّف، ومن كلمةٍ تُباع، ومن صحافةٍ ترتدي قناع النور وهي تغرق في العتمة. هناك، لا يُقتل الإنسان برصاصة، بل يُقتل وعيه ببطء… يُخدَّر، يُضلَّل، ويُعاد تشكيله على صورة الزيف حتى يظنّ أن الحقيقة عدوّه.
دماء من سقطوا وهم يحملون الكلمة أمانة، لن تكون ذكرى عابرة، بل لعنةً أخلاقية تلاحق كل من خان الحرف، وكل من حوّل الصحافة إلى سوقٍ للمصالح، أو منبرٍ للتضليل. لأنّ خيانة الكلمة ليست خطأ… بل سقوطٌ مدوٍّ في هاوية لا قرار لها.
فإذا خمدت الكلمة، خمد الوعي، وإذا غابت الحقيقة، تاه الإنسان… أمّا إذا فسدت الصحافة، فلا شيء ينجو: لا وطن، ولا إنسان، ولا ذاكرة.
عندها… لا يُكتب التاريخ، بل يُزوَّر. ولا يُبنى الوطن، بل يُباع.
وحين يُباع الوطن، لا يعود هناك ما يُكتب عنه… بل ما يُبكى عليه.

شارك الخبر
error: !!