الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

فنون واجتماعيات

المجتمع في مرآة الروح… هل نعيش معًا أم نتماس فقط؟

المجتمع في مرآة الروح… هل نعيش معًا أم نتماس فقط؟

بقلم: فاطمة يوسف بصل

يا لهذا الازدحام المليء بالصمت… نتحرك في الطرقات كأننا نكتب مشهدًا جماعيًا بلا حوار، كأوراقٍ متشابكة في كتاب الحياة، لا أحد يقرأ أحدًا، وكل ورقةٍ تخفي بين سطورها وجعًا خاصًا لا يُفصح عنه الحبر.
نمشي بمحاذاة بعضنا، نبتسم، نُسلّم، نُجامل، لكن شيئًا ما في العمق يبقى معطوبًا… فلا نظراتنا تلتقي، ولا أرواحنا تتصافح. كأننا نتماس فقط، كأجسادٍ تتجاور في قطار مكتظ، بينما الأرواح متباعدة كنجومٍ تلمع في فضاءاتٍ مختلفة.

لقد لبسنا القلوب أقنعةَ الصلابة، وعلّقنا على جدراننا شعاراتِ القيم والمحبة، لكننا نسينا أن المحبة ليست كلماتٍ تُقال بل دفءٌ يُمارَس. أصبحنا نخاف من الانكشاف، من أن نُظهر ضعفنا، أو نبوح بشوقنا، أو نطلب حضنًا في زمنٍ يُكافئ من يتقن الصمت ويُعاقب من يشعر.

المجتمع اليوم أشبه بمسرحٍ صامت؛ كلٌّ يؤدي دوره بإتقان، يضحك في الوقت المناسب، ويتألم في الخفاء، والمشهد – رغم جمال ديكوره – يخلو من الحياة.
نتحدث عن التعاون، عن الإخلاص، عن الإنسانية، لكن عند أول اختبار نعود إلى ذواتنا كما يعود القنفذ إلى أشواكه، فنجرح قبل أن نُصاب. في عالمٍ تتصاعد فيه الضوضاء وتخفت فيه الأصوات الحقيقية، صار الكلام الكثير غطاءً للعزلة، وصار القرب تمويهًا دافئًا للوحدة الباردة.

أين اختفى دفء العلاقات؟
من الذي علّمنا أن الانهيار ضعف، وأن البكاء عيب، وأن الحنين لا يليق بالعصر الرقمي؟
من قال إن التماسك واجب حتى لو على حساب أرواحنا؟

ورغم هذا العراء الإنساني، يظل في زاوية الروح بصيصٌ من أمل…
فلعلّ كلمةً صادقة، أو نظرةً مفعمة بالتفهّم، تُعيد بناء جسرٍ هدمته العزلة.
ولعلّ حضنًا دافئًا يشعل شمعةً في روحٍ أوشكت على الانطفاء.
ولعلّنا إذا نظرنا في مرايا أنفسنا بصدق، سندرك أن العيش معًا لا يعني المشاركة في المكان، بل المشاركة في الوجدان… في النبض، في الحلم، في الخوف، في الإنصات.

فلنبدأ بأنفسنا…
فلنكن الجسر لا الجدار، الصدى لا الصمت، القلب لا القشرة.
ولنتذكّر أن أرواحنا حين تصدق، تُعيد للإنسانية ملامحها التي بهتت، وللمجتمع أنفاسه التي اختنقت.

فيا أيها الإنسان، لا تخف من أن تكون طيّبًا في زمنٍ يخاف الطيبة،
ولا تُطفئ صوتك الداخلي كي تنسجم مع صمت الجماعة.
كن أنت… دفء العالم في عزلته، وصوت الروح في ضجيجها.
فربما كانت الإنسانيةُ كلها تنتظر أن تبدأ منك أنت…
من نظرةٍ صادقة، من ابتسامةٍ لم تتكلّف، من قلبٍ ما زال يؤمن أن اللقاء أعمق من الملامسة،
وأننا خُلقنا لا لنَتَماس… بل لنَتَنَفَّس معًا.

شارك الخبر
error: !!