الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار سياسية - محلية وعالمية

التحكيم من حيث الماهية

التحكيم من حيث الماهية

التحكيم هو أحد وسائل الفصل في المنازعات القائمة بين الأطراف المعنية بواسطة شخص من الغير بعيداً عن قضاء الدولة. وتعود نشأة التحكيم إلى بداية البشرية، وهو قديم قدمها، فقد عرفته البشرية قبل أن تعرف القضاء العام، وإعترفت به كافة الأنظمة الأساسية التي كانت سائدة آنذاك، كالحضارات اليونانية والرومانية والإسلامية وغيرها. وهو الآن محل إعتراف أيضاً من كافة الأنظمة التشريعية الوطنية والدولية.
ويعتبر التحكيم في هذا العصر مساراً للفصل في المنازعات إلى جانب مسار القضاء الرسمي. ويعيش الآن أزهى عصور إزدهاره، خصوصاً على صعيد التجارة الدولية. وقد كان القانون اللبناني منفتحاً على التحكيم الداخلي والدولي، فأدخله في صلب قانون أصول المحاكمات المدنية القديم منذ العام 1933، ثم في القانون الجديد الصادر عام 1983، مستوحياً الكثير من القانون الفرنسي للعام 1975 مع تعديلاته.
المشرع اللبناني هو من أوئل من أجاز التحكيم ونظمه وذلك في المواد 762 الى 821 من قانون أصول المحاكمات المدنية، غير آته لم يأت على تعريفه صراحة في هذا القانون وبالتالي يصح إعتماد التعريف الوارد في المادة 1790 من مجلة الأحكام العدلية والتي تنص على أن: “التحكيم هو إتخاذ الخصمين برضاهما حاكماً لفصل خصومتهما ودعواهما”.
كما أن الفقه إقترح عدة تعريفات للتحكيم فنجد الفقيه «شارل جارسون» يرى أن التحكيم هو النظام الذي بموجبه يسوي طرف من الغير خلافاً قائما بين طرفين أوعدة أطراف ممارساً لمهنة قضائية عهدت إليه من قبل هؤلاء الأطراف.
وتعود مبررات اللجوء للتحكيم إلى إعتبارات عدة مختلفة تدفع الأطراف المعنية إلى تفضيله عن قضاء الدولة نظراً لما يتسم به التحكيم من مزايا.
اما طبيعة التحكيم فتتمثل بأنه لا ينشأ التحكيم إلا نتيجة إتفاق طرفي النزاع على اللجوء إليه، لكن القرار الذي يصدره المحكّم بعد ذلك لا يختلف في جوهره عن الحكم الصادر عن قضاء الدولة. وقد إختلف فقهاء القانون حول الطبيعة القانونية للتحكيم ومدى إعتبارها طبيعة تعاقدية أم قضائية. والرأي الراجح يعتبر أن التحكيم ذو طبيعة قضائية، لأن المحكّم يستند إلى إتفاق التحكيم المعقود بين الفرقاء، والمحكّم لا يمثل قضاء الدولة ولا تنطبق عليه جميع قواعده، إنما تنطبق عليه قواعد مستمدة من إتفاق التحكيم، مما يضفي عليه طبيعة ذاتية مستقلة.
ولا بد من تسليط الضوء على المنازعات التي يجوز أن تكون محلاً للتحكيم، فأباح المشترع اللبناني الحق في اللجوء إلى التحكيم بدلاً من قضاء الدولة، لكنه قيّد ذلك في إطار المنازعات المدنية والتجارية القابلة للصلح (وفقاً للمادتين 762 و765 أ.م.م.) وإذا كان الصلح جائزاً في كل الأمور، إلا أنه لا يجوز في بعضها، مثل المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية والنظام العام والحقوق الشخصية التي لا تُعد مالاً بين الناس؛ مثل الحق المعنوي للمؤلف، والحقوق المتعلقة بالحريات الشخصية؛ كحق الترشح والإنتخاب، والأموال الموقوفة وحقوق النفقة والحقوق الإرثية. كما لا يجوز التحكيم في المنازعات الجزائية والمنازعات ذات الطابع الإداري المتعلقة بالدولة أو البلديات أو المؤسسات العامة، إلا إذا كان التحكيم دولياً (وفقاً للمادة 809 أ.م.م) ولا يجوز التحكيم أيضاً في المنازعات المتعلقة بالإفلاس والعلاقات غير المشروعة أو المخالفة للنظام العام والآداب العامة.
وقد برز خلاف قانوني شديد في لبنان يتعلق بقابلية عقود الدولة وأشخاص القانون العام للتحكيم، وذلك على أثر قضيتي الخليوي. وقد صدر على أثرهما قراران عن مجلس شورى الدولة اللبناني بتاريخ 17 و19 تموز سنة 2001، قرر بموجبهما منع التحكيم في العقود الإدارية كمبدأ راسخ في العلم والإجتهاد الفرنسيين لتعلقه بالإنتظام العام، وأن التحكيم الذي يحصل خلافاً له يعتبر باطلاً. وعلى أثر ذلك أُطلقت صرخات كبرى تحث المشترع اللبناني على الإسراع في إدخال التعديل اللازم على النصوص القانونية من أجل تكريس النزعة المنفتحة التي تعتبر أن التحكيم هو القضاء الطبيعي في العلاقات التجارية الدولية ومن أجل تشجيع سياسة جلب الاستثمارات المالية والأنشطة من الخارج. وبالفعل فقد إستجاب المشترع اللبناني لتلك النداءات، فأقر القانون رقم 440/2002 وأجاز بموجبه للدولة ولأشخاص القانون العام، أياً كانت طبيعة العقد موضوع النزاع، اللجوء الى التحكيم، على أن تتم إجازته بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء لاقتراح الوزير المختص.
إن التحكيم في العصر الحديث ليس بظاهرة مستقلة وجديدة بجذورها عن الماضي إنما هي التطبيق لفكرة التحكيم في المجتمعات القديمة وامتداد للتحكيم التجاري الدولي في العصور الوسطى، فهذا التحكيم شكل بدائي لاقامة العدالة.
قد إعتبر التحكيم مرحلة راقية وصلت إليها الجماعات البشرية بعد أن كان الحق هو قوتي والقوة هي حقي.
فالتحكيم هو أسلوب يقرره القانون للأفراد يستطيعون بمقتضاه الإتفاق على إحالة المنازعات الحالية والمستقبلية التي يمكن أن تنشأ بينهما على فرد أو أفراد يطلق عليهم تسمية المحكمين دون السلطة القضائية المختصة أصلاً في ذلك. كما لابد على هذه السلطة في التحكيم الدولي لإعطاء قرارات التحكيم الدولي التجاري.
ولعل أن من الأمور الضرورية لنمو وتطور التعاون الإقتصادي الدولي دون المصالح المتبادلة هي إرساء الضمانات القانونية لحماية الروابط القانونية المتضمنة لعنصر أجنبي وتحديد الطرق والوسائل لتسوية المنازعات التي قد تنشأ وأن أكثر الطرق نجاحاً بتوفر حسن النية والمصلحة المشتركة هي طريق المفاوضات المباشرة.

كتب الباحث والكاتب القانوني : يوسف حنا الخوري .

شارك الخبر
error: !!