عنف الغارات اوالتهويل والمهل لا تستهدف السلاح بل كسر إرادة الوطن
—————————–
لم تكن الغارات الأخيرة على لبنان مجرّد ردود عسكرية، بل رسائل سياسية مشفّرة، مشبعة بالتهديد والتهويل، هدفها الظاهر “الردع وحماية كيان العدو” وفي الباطن تعمل لإستكمال مشروع انقلاب الناعم على ثوابت لبنان القوي بمقاومته وادخاله حظيرة التطبيع ضمن رؤية اميركية اسرائيلية ترتيب الشرق الاوسط بما يتناسب مع مصلحة واشنطن ويؤمن حماية الكيان الاسرائيلي وتضمن امنه كدولة وازنة على مستوى العالم وقوة اقتصادية سياسية تشكل واجهة تصدير النفط وصناعته ومحطة لربط الشرق بالغرب بسيطرة تامة وفق الأسطورة بين الفرات والنيل والتي شكلت حلم قلادة اسرائيل منذ نشأت الكيان وحتى قبل تأسيسه وخاض الحروب من اجل فرضه بدعم غربي مطلق ورعاية اميركية ام تفصل يوما تل ابيب عن واشنطن باعتبار الكيان ولاية اميركية تدافع عنها واشنطن يدخل دعم الكيان ضمن برامج الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة فيه اسرائيل أمنها تفوقها ودعمها رافعة لساكن البيت الابيض اي تكن هويته او حزبه ولا فرق بين جمهوري وديمقراطي امام أولوية الكيان ودور واشنطن الشريك بحروبه المتنوعة ما بين عدوان حربي و سياسي تكمل فيها الدبلوماسية دور يفوق خطر العسكر تعمل لتحقيق مصالح اسرائيل وتامين مطالبها التي فشلت عنها على الجبهة كما هو حال هجمة واشنطن على لبنان لفرض عملية إنقلاب سياسي تغير هوية لبنان بعد نوع اوراق قوة فرضته معادلة لعقدين من الزمان واكثر بلدان الشرق الاوسط أمنا وامان بوجود مقاومة حمت الوطن بشرا برا وبحرا بتلازم ثلاثية ثابتة جيش يحمي وشعب حاضن ومقاومة ترسم استراتيجية تكسر التفوق الاسرائيلي ونجحت في حماية الوطن ومقدراته حتى في باطن البحار ويجهد الامريكي للقضاء عليها بفرص شروط الاستسلام على لبنان محدداً مهل زمنية بعملية ضغط سياسي تهويل وضح اعلامي انخرطت فيها فريق داخلي تربى وترعرع في حضن اسرائيل وركب دباباتها لإجتياح عام ١٩٨٢ ووصل إلى بعبدا لكنه لم يدخل القصر ومن دخله لم يحكم وكتب نهاية ذليلة لنفسه أفقدته امتيازات ورثة من الاستعمار يرى هذا الفريق عينه أن ظروف استعادتها ممكنة بدعم أميركي تدخل الوطن العصر الاسرائيلي من بوابة تطبيع العلاقات أسوة بما يجري حولنا وسوق الحكومات العربية ومعهم الإرهاب الذي يحكم سوريا للتسليم بقدر تفوق اسرائيل وسيطرتها على المنطقة وأن من واجب لبنان تطبيق الشروط الاسرائيلية الأميركية في مقدمها تسليم السلاح مقابل البقاء، وتحييد المقاومة وشطبها من المعادلة تمهيدًا لتغيير وجه المنطقة وإخراج الثنائي الشيعي من المعادلة
الا أن هذه الهجمات، على قسوتها، ليست جديدة على وطنٍ اعتاد أن ينهض من الركام. كل قذيفة تسقط ليست فقط انفجارًا في الأرض، بل اختبارًا في الإرادة، محاولة لترويض شعب يعرف أن كرامته لا تُسترد إلا حين يكون القرار بأيديه شعب واجه احتلال وقوى متعددة الجنسيات واساطيل وانتصر في أكثر المعارك وكل التهويل اليوم لن يوصلك لما يريد الأميركي الاسرائيلي وبعض الداخل مهما اشتدت الحملة التي تخاض سياسيا بعد فشل عسكري بدبلوماسية العصا ومعها تخاض معركة موازية حرب اقتصادية” الدولار” ينهش الجيوب، والكهرباء تغيب، والسلع تتبخر من الأسواق وحملات إعلامية تضخ سموم بقصد تهريص تضليل لتوهين بيئة وتحريض الشعب وهذا ليس مصادفة، بل جزء من سياسة “التجويع مقابل الطاعة”. يراد من اللبناني أن يقول: “كفى مقاومة… نريد التسليم لقوة اسرائيل ”
لكنهم تناسوا أن هذا الشعب عاش الحصار، وقاوم بالأمعاء الخاوية، وكان كلما اشتد عليه الحبل، زادت صلابته يواجه حربا بين الشاشات وصفحات الأخبار معارك أخرى هناك من يمهّد لتسليم السلاح بحجج براقة: “لا نريد حربًا جديدة، فلنحصر السلاح بالدولة.”
ولكن، من هي الدولة التي يقصدون؟ تلك التي تُغرقها السفارات؟ أم التي لا قرار فيها بلا إذن خارجي؟
وفي المقابل، شعب حرّ يذكّر الناس بأن ما يُطلب ليس “سلامًا”بل خضوعًا، واستسلام وعبودية وأن السلاح لم يكن يومًا عبئًا، بل توازن ردع حمى هذا الوطن من الزوال.
هذه الغارات وما تبعها ليست سوى وجه آخر لمعركة كبرى: معركة الوعي، معركة السيادة، معركة الصمود في وجه تطويع سياسي اقتصادي ونفسي ومن يراهن فيها على الإنهاك ينسى أن في جسد لبنان جمرًا لا يبرد، وأن من اعتاد حمل البندقية لا يرميها مقابل كسرة خبز، بل يحملها دفاعًا عن كرامة لا تُشترى ولا تُباع
د.محمد هزيمة كاتب سياسي وخبير استراتيجي مستشار في العلاقات الدولية

