ماهية القانون الجنائي .
للكاتب والباحث القانوني الأستاذ يوسف حنا الخوري .

إنَّ علاقة الإنسان بالجريمة قديمة قِدَمَ وُجوده على سطح الأرض، فقد لازمته منذ إستيطانه الأرض، حيث إنّ أول جريمةٍ عرفتها البشرية كانت الجريمة التي إرتكبها قابيل أحد أبناء سيدنا آدم في حقّ أخيه هابيل، إذاً المبادئ التي تحكم قانون العقوبات لم تكن وليدة الأيام والساعات، بل إحتاجت إلى آلاف السنين لتتلاءم مع مقتضيات العصور التي سادت بها، فما كانت لجريمة أن تقع إلا وكان لها عقاب مقرر لها في المجتمعات القديمة، فقد كان لكل جريمة خصائص وأركان تختلف عن غيرها، ولم يكن هناك معيار موحد للجرائم والعقوبات، إلا في حالات معينة في المجتمعات المحددة في الزمان والمكان، فإنَّ أهمية التشريعات الجنائية جاءت من تاريخه الطويل الذي إقترن بوجود الإنسان الأول على الأرض، وما صاحب هذه التشريعات من تطور إلى أن وصل بالشكل المعروف لنا في العصور الحديثة.
إذاً كيف يمكننا تعريف القانون الجنائي أو ما يعرف بالقانون الجزائي في بعض الدول؟
القانون الجنائي هو مجموعة من القواعد القانونية التي تبين الجرائم، وتفرض العقوبة الخاصة أو التدابير لكل جريمة على حدا، ويُقسم القانون الجنائي إلى نوعين من القواعد؛ القواعد العامة وتسمى بالقسم العام، والتي تهتمّ بالقواعد والنظريات العامة للجريمة، والقواعد القانونية الخاصة وتسمى بالقسم الخاص، والتي تهتم بدراسة الجريمة بمفرداتها، وأركانها، وظروفها، والعقوبات المقررة لها. إختلف الفقهاء والباحثون في تسمية القانون الذي يجمع الجرائم والعقوبات المقررة لها، فمنهم من أطلق عليه اسم قانون العقوبات، وذلك لأنه يستند إلى تصنيف الجرائم حسب عقوبتها، إلا أنّ هذه التسمية لاقت إنتقاداتٍ بسبب إقتصار التسمية على العقوبات دون الجرائم أو التدابير، ومنهم من أطلق عليه اسم القانون الجنائي، وذلك لأنّه يستند إلى تحديد وترتيب الجرائم المنصوص عليها، فهو قانون جرائم أكثر من قانون عقوبات يشمل نظام التدابير بوصفه نظاماً جنائيّاً، ورغم ذلك فقد وُجهت لهذه التسمية عدّة إنتقادات، بإعتبارها قاصرةً عن إستيعاب مضمون القانون، وما يشمله من عقوباتٍ وتدابير من جهة، وبإعتبار أنّ الجناية هي نوعٌ من الجرائم وليست كلّ الجرائم من جهة أُخرى، وهناك من أطلق عليه إسم القانون الجزائي، بإعتبار أنّ الجزاء أوسع من العقوبة والتدابير، كما أنّه يكون ملازماً لكلّ جريمة.
قسّم العلماء التطور الخاص بالقانون الجنائي إلى عدّة مراحل بناءً على الحقبة التي مرت بها المجتمعات، وهذه المراحل هي:
مرحلة الإنتقام الفردي، فقد شملت هذه المرحلة القبائل المتنقلة، والتي كانت تعتبر أي إعتداء على أحد من أفرادها إعتداءً على القبيلة بأسرها، فكان أفراد قبيلة المجني عليه يتجمّعون لغزو قبيلة الجاني، والتي تعدّ المسؤولة بالتضامن مع الجاني، فتقوم حربٌ بين القبيلتين، وذلك بهدف الإنتقام، وهذا الإنتقام يكون لإرضاء عائلة المجنيّ عليه أو من أجل التوصّل إلى حلّ لمصالحة الطرفين المتخاصمين على شروط أن يتفقوا عليه. أمّا داخل القبيلة فكانت توزع المسؤوليات على رئيس القبيلة، والذي يباشر سلطته على قبيلته، فله صلاحية تأديب أفراد قبيلته من ضرب بسيط مروراً بالقتل أو الطرد. وبعد أن تطوّر المجتمع ظهر نظام القصاص ونظام الديّة، وأصبح تطبيق هذه الأنظمة إجباريّاً بعد نشوء الدول، بالإضافة إلى ظهور مجموعةٍ من الأنظمة الأُخرى؛ كنظام نفي الجاني، ونظام التخلي عن الجاني لأهل المجني عليه، ونظام تحريم القتل في أوقات معينة.
أما المرحلة الثانية فعرفت بمرحلة الإنتقام للدولة، بدأت هذه المرحلة منذ نشوء الدولة، والتي أصبحت السلطة التي تصدر العقاب وتمارسه نيابةً عن الأفراد، فقد كان هذا الحقّ مقصوراً على الجرائم التي تمسّ أمن الدولة، إلّا أنّها قد شملت جميع الجرائم فيما بعد، وفي هذه المرحلة كان العقاب قائماً على أساس التكفير، فكان يقع العقاب من أجل إرضاء الآلهة بالإنتقام لها، وبعد ذلك أصبح العقاب يقع على المجرمين للإنتقام للجماعة، حيث كان تنفيذ العقوبات بدرجةٍ عاليةٍ من الحزم والصرامة دون طرح فكرة إصلاح المجرم، والجدير بالذكر أنّ الحكم بين الناس لم يكن قائماً على أساس العدل، بل بالنظر إلى مراكزهم الإجتماعية والسياسية في الدولة.
المرحلة الثالثة وهي مرحلة الإنسانية: وتسمى كذلك بالمرحلة الفلسفية، وأساسها تغيير نظام العقوبة من نظام إنتقاميّ إلى نظامٍ أكثرَ تسامحاً وإنسانية، وقد بدأت هذه المرحلة في القرن الثامن عشر مع ظهور بعض المصحلين، ومنهم: “مونتيسكيو”(Montesquieu) الذي ألّف كتاب روح القوانين، وإنتقد فيه نظام العقوبات السائد. “روسو” (Rousseau)أيضاً صاحب كتاب العقد الإجتماعي، “سيزاري بيكاريا” Cesare Beccaria)) صاحب كتاب الجرائم والعقوبات.
وأخيراً المرحلة الحديثة، بعد إزدياد إنتشار الجريمة في منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت نظريةٌ جديدةٌ في إيطاليا، سمّيت بالمدرسة الواقعية، وكان أساس هذه النظرية هو الإهتمام بالجاني بالمقام الأول، ومن ثم تأتي الأفعال المادية بالمقام الثاني، وقد أنكرت هذه النظرية مبدأ حرية الإختيار، وأخذت بمبدأ الإجبار، حيث إنّ السبب وراء قيام الجاني بجريمته هو توفّر عوامل داخلية متعلقة بالجانب النفسي للمجرم، وعوامل خارجية متعلقة بظروف معيشته وبيئته، وقد أوضحت هذه النظرية أنّه يمكن التنبؤ بخطورة الشخص الإجرامية قبل إرتكابه للجريمة، وعليه يمكن إتخاذ تدابير وقائية لتلافي حدوثها. وقد نادى أصحاب هذه النظرية بضرورة دراسة الأسباب النفسية والإجتماعية التي قد تؤدي إلى تنفيذ المجرم لجريمته، وعلاج هذه الأسباب قبل حدوثها.
يستمدّ القانون الجنائي أهميّته من الغاية التي وضع من أجلها، ويمكن تلخيص أهميته فيما يلي أولاً، “حماية المصالح الجماعية والفردية”، فلو تُرك الأمر دون قانون يحمي مصلحة الفرد لسادت الإضطرابات بين الناس وضاعت مصالحهم. ثانياً، “توفير الأمان والطمأنينة لأفراد المجتمع”، فالأفراد يقدمون على أعمالهم دون خوف من أن يحاسبوا على فعل غير مجرّم، وذلك لأنَّ قانون العقوبات جمع الأفعال التي تُعتبر من الجرائم، ووضع لها عقوبات مسبقاً، وهذا من شأنه أن يُشعر الأفراد بالطمأنينة وعدم الخوف مِن وقوع أي ظلم عليهم، وحتى لو وقع فإنهم على علمٍ بأنّ الفاعل لن يفرّ من العقاب. ثالثاً، “نشر العدالة بين الناس”، إنَّ الناس أمام القانون سواسية، يُطبَّق عليهم دون أي إعتبارات، وذلك لأنّ القانون حدّد الأفعال المجرّمة مسبقاً؛ بحيث لا يمكن أن يعاقب الفرد ما لم يقترف أيّ فعلٍ من هذه الأفعال، وفي حال إرتكابها فإنّه سيعاقَب مثل غيره من الناس الذين إرتكبوا الجرائم قبله. رابعاً، “مكافحة الجريم”، إنَّ أهمية القانون الجنائي تتمثل في مكافحة الإجرام، ومحاولة منع الجرائم قبل وقوعها عن طريق التدابير الإحترازية والوقائية المتخذة.
إنَّ مصادر القانون الجنائي تختلف من دولة إلى أُخرى، ولا يمكن حصرها بمرجع واحد، فعلى سبيل المثال يَعتبر التشريعُ الجنائيُّ الإسلاميَ القرآنَ والسنّةَ أساسَ أحكامه، ولكنه بالمقابل يعتمد على إجتهادات الفقهاء وإجماعهم، وقياسهم، وعليه فإنَّ القانون الجنائيّ يستمد قواعده من عدّة مصادر يمكن تقسيمها إلى مصادر مباشرة وغير مباشرة، ويمكن تلخصيها فيما يلي: القوانين الجزائية المتعلقة بالتجريم والعقاب:
فإنَّ السلطة التشريعية وحدها هي التي تملك الحقّ في إصدارها، وقد تصدر على شكل قواعد عامّة مجردة، وتعتبر المصدر الأساسيَّ لقانون العقوبات، فيحدد المشرِّع الأفعال التي يعاقَب عليها، والجزاءات التي تقع على مرتكبيها، وعليه فإنّه لا تتمّ معاقبة أحد على أفعاله ما لم تكن منصوصة في القانون، وهذا ما يُعرف بمبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنصّ”. (المادة 1 من المرسوم الإشتراعي رقم 340 الصادر في 1/3/1943: “لا تفرض عقوبة ولا تدبير احترازي أو إصلاحي من أجل جرم لم يكن القانون قد نص عليه حين إقترافه…”).
أما الأنظمة الإدارية الجزائيّة بالرغم من أنّ الأصل هو صدور القوانين الجنائية من السلطة التشريعية المتمثلة بالبرلمان، إلا أنَّه يمكن أن يتمّ إعطاء صلاحيات السلطة التنظيمية للسلطات الإدارية كالوزارات، والإدرارات المركزية أو العامة؛ حيث يُسمح لها بإصدار قرارات أو مراسيم ملزمةً، وتعتبر مخالفتها جريمةً تستحق العقاب عليها.
العرف، وهو رأي الجمهور حول قضية معينة، إلا أنَّ التشريع الجنائي يعتمد بالمقام الأول على التشريع المكتوب، لذلك يعتبر العرف من المصادر غير المباشرة للقوانين الجنائية، وقد وجدت أحكام عديدةٌ في قانون العقوبات راعت أعراف المجتمع وعاداته، كجريمة الزنا التي شُرّعت في قوانين دول معينة، فيما لم تشرّعها قوانين دول أخرى، وذلك لإباحة هذا الفعل في مجتمعاتها.
القانون الدولي العام، يعتمد القانون الجنائي في بعض أحكامه على القانون الدوليّ العام، وذلك في تحديد القوانين الواجب تطبيقها لمعاقبة المجرمين سواء كانوا مواطنين، أم أجانب، داخل الدولة أو خارجها، وفي تحديد الأقاليم البحرية والجوية للدولة، وفي قضايا تسليم المجرمين وغيرها من الأمور.
الشريعة الإسلامية: ويمكن اللجوء إلى الشريعة الإسلامية لتفسير بعض الألفاظ العامة التي ترد في القانون الجنائيّ، مثل الآداب العامة، وإنتهاك العرض وغيرها، وكما أنَّها تُعتبر مرجعاً للمشرّع أثناء وضعه للقوانين بناءً على المرجعيّة الدينيّة له.

