إلى نواب الأمة: لمساءلة وطرح الثقة ب “ريما كرامي”؟

كتب التربوي حسين شعيتو
٢ حزيران ٢٠٢٦
رغم كل الظروف الأمنية والتصعيد الإسرائيلي المتواصل على لبنان، ورغم احتلال أجزاء من الجنوب، ورغم تدمير مدارس ومعاهد وقرى بكاملها، ورغم نزوح آلاف العائلات من الجنوب والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى، ما زالت وزيرة التربية ريما كرامي تتصرف وكأن البلاد تعيش ظروفاً طبيعية بالكامل. ففي وقتٍ يطرح فيه اللبنانيون أسئلة الأمان والنجاة والاستقرار والمستقبل، تبدو الوزيرة وكأنها قررت خوض معركة واحدة فقط، هي معركة إجراء الامتحانات الرسمية مهما كانت الوقائع على الأرض ومهما ارتفع منسوب الاعتراض الشعبي والتربوي.
لقد اعترض اتحاد مجالس الأهالي، ورفعت روابط المعلمين صوتها، وأبدت نقابات تربوية ومدارس خاصة مواقف واضحة، وصدرت بيانات من مكاتب تربوية تابعة لأحزاب وقوى سياسية متنوعة، كما امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات والتحذيرات. حتى داخل المؤسسات الدستورية، ارتفعت أصوات تطالب بإعادة النظر في القرار، وبرزت مواقف من نواب وأعضاء في لجنة التربية تدعو إلى مقاربة أكثر واقعية للظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد. ومع ذلك كله، لم يتغير شيء، وكأن آلاف الطلاب والأهالي والمعلمين لا وجود لهم إلا كأرقام في جداول إدارية باردة.
تقول الوزيرة إنها تدافع عن الشهادة الرسمية وتحافظ على قيمتها وهيبتها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: أي شهادة رسمية يمكن الحفاظ عليها إذا كان الطالب نفسه يعيش في ظروف استثنائية لا تشبه أي ظرف طبيعي؟ وأي عدالة تربوية يمكن الحديث عنها عندما يكون هناك طالب يدرس في بيئة مستقرة نسبياً، فيما طالب آخر يعيش تحت ضغط النزوح أو الخوف أو القلق الأمني أو الانقطاع المتكرر عن التعليم؟ إن قيمة الشهادة لا تُقاس فقط بإجراء الامتحان، بل بمدى عدالة الظروف التي يخضع فيها جميع الطلاب لمعايير متكافئة، وهو أمر يبدو بعيد المنال في الظروف الراهنة.
وإذا كانت الوزيرة تعتبر نفسها حامية الشهادة الرسمية، فإن من حق اللبنانيين أن يسألوا عن حدود هذا الإصرار غير القابل للنقاش. فمنذ أشهر، يجري الحديث عن التمويل الذي تم تأمينه لإجراء الامتحانات الرسمية من الجهات المانحة، وهو أمر أعلنت عنه الوزارة بنفسها. لذلك، من الطبيعي أن يطرح الرأي العام أسئلة حول أسباب التمسك المطلق بإجراء الامتحانات رغم كل الاعتراضات والظروف المتبدلة. وهذه الأسئلة ليست خروجاً على الشهادة الرسمية ولا استهدافاً لها، بل هي جزء من حق المواطنين في معرفة كيفية اتخاذ القرارات العامة التي تمس مستقبل عشرات آلاف الطلاب.
المشكلة الحقيقية لم تعد في الامتحانات وحدها، بل في النهج الذي يحكم إدارة الملف التربوي. فحين تتحول كل الاعتراضات إلى مجرد ضجيج يجب تجاهله، وحين يصبح كل من يطالب بإعادة التقييم متهماً بالتفريط بالشهادة الرسمية، وحين يجري التعامل مع المخاوف المشروعة للأهالي والطلاب والمعلمين على أنها تفصيل ثانوي، فإن الأزمة تصبح أزمة إدارة وأزمة رؤية قبل أن تكون أزمة امتحانات.
المفارقة الساخرة أن الوزيرة تتحدث عن حماية الشهادة الرسمية وكأن هذه الشهادة تتعرض لهجوم من الطلاب والأهالي والمعلمين، بينما الواقع أن معظم هؤلاء يحاولون حماية الطلاب أنفسهم. وكأن المشكلة في نظر الوزارة ليست الحرب ولا النزوح ولا القصف ولا الدمار ولا انعدام الاستقرار النفسي، بل المشكلة الوحيدة هي أن هناك من يجرؤ على الاعتراض. حتى ليخيل للمرء أن الشهادة الرسمية أصبحت أهم من الطالب نفسه، وأن الامتحان أصبح غاية بحد ذاته لا وسيلة لتقييم التحصيل العلمي.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه العائلات حلولاً تراعي ظروفها، تبدو الوزارة وكأنها تخوض معركة إثبات عناد أكثر مما تخوض معركة حماية التعليم. فكلما ارتفع عدد المعترضين، ازداد التشدد. وكلما اتسعت دائرة القلق، ازداد الإصرار. وكلما طالب الناس بالاستماع إلى الواقع، ازداد الخطاب الرسمي ابتعاداً عنه. وكأن المطلوب من اللبنانيين أن يقتنعوا بأن كل شيء على ما يرام لمجرد أن الوزارة قررت ذلك.
من هنا، لم تعد المسؤولية تقع على عاتق وزيرة التربية وحدها، بل أصبحت مسؤولية مجلس النواب اللبناني بأكمله. فإذا كانت الرقابة البرلمانية لا تُمارس في ظرف استثنائي كهذا، فمتى تُمارس؟ وإذا كان النواب غير مستعدين لمساءلة السلطة التنفيذية عندما يتعلق الأمر بمصير عشرات آلاف الطلاب، فما معنى الرقابة أصلاً؟ وهل دور مجلس النواب أن يراقب من بعيد ويكتفي بإصدار المواقف، أم أن واجبه أن يستخدم صلاحياته الدستورية عندما يشعر بأن هناك قرارات مصيرية تتخذ بمعزل عن نبض الناس وواقعهم؟
لذلك، فإن الدعوة اليوم موجهة إلى جميع النواب، من مختلف الكتل والأحزاب والانتماءات السياسية، لتحمل مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية والدستورية، والتحرك الجدي لمساءلة وزيرة التربية حول إدارة هذا الملف، وطرح الثقة بأدائها إذا رأوا أن سياساتها لم تعد تعكس المصلحة التربوية والوطنية التي يفترض أن تحكم عمل الوزارة.
فالتاريخ لا يتذكر من التزم الصمت عندما كان الناس يصرخون، ولا يتذكر من اكتفى بالمشاهدة من مقاعد المتفرجين. أما الطلاب اللبنانيون، الذين يجدون أنفسهم اليوم في قلب أزمة لا يد لهم فيها، فهم يستحقون من ممثلي الأمة أكثر من البيانات والتصريحات. يستحقون موقفاً حقيقياً، ومسؤولية حقيقية، ومحاسبة حقيقية.
أما الاستمرار في تجاهل كل هذه الوقائع، فلن يجعل الأزمة تختفي، بل سيجعل كثيرين يقتنعون بأن ما يجري لم يعد مجرد إصرار على إجراء امتحانات رسمية، بل إصرار على تجاهل واقع بلد بأكمله.

