الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار سياسية - محلية وعالمية

ذاكرةٌ من نار… يومٌ لا يُنسى.

ذاكرةٌ من نار… يومٌ لا يُنسى.

بقلم : الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل.

لم يبدأ هذا اليوم بانفجار… بل بصمتٍ ثقيلٍ كان يسبق العاصفة. كان كل شيء يبدو عاديًا، إلى أن قررت السماء أن تنقلب، وأن تكتب بالنار ما عجزت السياسة عن فرضه بالكلمات. في لحظةٍ واحدة، انكسر الإيقاع، وتحوّل الوقت إلى شظايا، ووجد المدني نفسه في مواجهة سؤالٍ لا يُحتمل: لماذا نحن؟
لم تكن ضربة الأمس مجرّد غارات عابرة، ولا خطأً في حسابات الحرب… بل كانت قرارًا. قرارًا واضحًا بأن يكون المدنيون في لبنان في قلب الاستهداف، لا على هامشه.
ما جرى لم يكن التباسًا بين هدفٍ عسكري وبيتٍ آمن، بل سقوطًا متعمّدًا لكل الفواصل. حين تُقصف الأحياء، وتُضرب البيوت فوق ساكنيها، لا يعود هناك مجال للحديث عن “أضرار جانبية”… بل عن حقيقةٍ عارية: المدني أصبح وسيلة ضغط.
في تلك الليلة، لم تُختبر قوة السلاح فقط، بل انكشفت منظومة كاملة من الصمت الدولي، والتواطؤ السياسي، والعجز المقصود. بيوت سقطت، عائلات مُحيت من سجلات الحياة، وأطفال دفعوا ثمن صراعات لا يملكون فيها صوتًا ولا قرارًا.

الرسالة كانت أقسى من الدمار نفسه: إخضاع لبنان تحت النار، وفرض إيقاع سياسي بقوة القصف، ودفع الداخل إلى خيارات تُكتب بالدم لا بالحوار.
لكن الأخطر لم يكن في الصواريخ وحدها، بل في البيئة التي سمحت لها بأن تقول كلمتها بهذا الشكل. حين تغيب المحاسبة، يصبح القصف لغة، وحين يُترك المعتدي بلا رادع، تتحوّل المدن إلى خرائط مفتوحة للضرب.
ما حدث ليس معزولًا عن سياق أوسع، بل يأتي في لحظة إقليمية مشتعلة، تتقاطع فيها الحسابات الدولية مع رهانات الداخل، ويُستخدم فيها لبنان مرةً جديدة كساحة رسائل، لا كدولة ذات سيادة.
وهنا يبرز السؤال الذي لم يعد يمكن تأجيله: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟ وهل يُترك هذا البلد ليُدار بمنطق الضغوط الخارجية، أم أن دماء المدنيين ستفرض معادلة جديدة؟
إن استهداف المدنيين لا يكسر الشعوب كما يُراد له… بل يكشف حقيقة الصراع. كل بيتٍ سقط لم يكن نهاية حكاية، بل بداية ذاكرة، وكل دمٍ أُريق لن يكون رقمًا عابرًا، بل علامةً فارقة في وعيٍ جماعي لا يُمحى.
لبنان، الذي يُراد له أن يُرهَب، يثبت في كل مرة أن الألم لا يُلغي الذاكرة… بل يرسّخها، وأن النار، مهما اشتدّت، لا تحرق الحقيقة.
إنه يومٌ لا يُنسى… لأنه لم يكن يوم قصفٍ فقط، بل يومًا كُشف فيه كل شيء: حدود القوة، وحدود الصمت، وحدود هذا العالم. ومن بين الركام، لا يخرج الدخان وحده… تخرج أسئلة أكبر من الحرب نفسها.
أما الحقيقة الأثقل، فهي أن هذا اليوم لن ينتهي بانتهاء القصف. سيبقى مفتوحًا في الذاكرة، في وجوه الناجين، في أسماءٍ غابت ولم تغب، وفي وطنٍ يُختبر كل مرة بين أن يُكسَر… أو أن يزداد صلابة. لأن ما يُكتب بالنار… لا يُمحى.

شارك الخبر
error: !!