الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

متفرقات

الصمتُ يؤجّل موت الحقيقة… والصوتُ يكتب ولادتها التي لا تُقهَر

الصمتُ يؤجّل موت الحقيقة… والصوتُ يكتب ولادتها التي لا تُقهَر

بقلم الكاتبة والمربية: فاطمة يوسف بصل

حين أطبق الليل على كل شيء، ولم يبقَ سوى صمتٍ كثيف، يشبه ليلًا طويلاً بلا نجوم، كانت الحقيقة كشمعة تحاول مقاومة الرياح، تتمايل لكنها لا تنطفئ. صمتٌ لا يُسمع، لكنه يُثقل الصدور، كأن الحقيقة فيه محبوسة، تنتظر نافذةً تُفتح، أو قلبًا يجرؤ على الإصغاء. وفي مكانٍ ما، بين ارتجاف الضوء وخوف الكلمات، كانت الحقيقة تُخيط صوتها بصبر، كأمٍّ تُعدّ طفلها الأول للحياة.

لم تكن تموت… كانت تتأنّى، كانت تُخفي نبضها، لتولد حين يصبح الصمت عاجزًا عن احتوائها. هنا، تمامًا هنا، يبدأ الصوت… لا ككلمة، بل كقدر. هناك، على حافة هذا الصمت، وقفت فاطمة فتوني وعلي شعيب. لم يكونا مجرّد صوتين في فضاءٍ ممتلئ بالأصوات، بل كانا الشرخ الأول في جدار الصمت، النبض الذي يعلن أن الحقيقة لم تمت، وأنها ترفض أن تُدفن في العتمة.
لم يكن ما يفعلانه نقلًا للخبر، بل استدعاءً للحقيقة من تحت الركام. كل كلمة كانت كأنها يدٌ تمتد إلى عمق الظلام لتسحب الضوء منه، وكل صورة كانت مرآةً تُجبر العالم على رؤية ما حاول تجاهله. في حضورهما، لم يعد الإعلام حيادًا باردًا، بل صار موقفًا، شهادة، وانحيازًا للإنسان في وجه محاولات طمسه.
لكن الصمت لم يكن بريئًا. كان يتربّص، يتمدّد، يحاول أن يبتلع كل صوتٍ يخرج عن سكونه. لأن الصوت، حين يكون صادقًا، لا يكتفي بأن يُسمع… بل يُوقظ. ومن هنا تبدأ المواجهة: بين صمتٍ يريد أن يؤجّل موت الحقيقة حتى تنسى نفسها، وصوتٍ يصرّ على أن يمنحها حياةً جديدة، مهما كان الثمن.
في كل مرة كان يُظن أن الحقيقة خفتت، كان صوتهما يعود أقوى، كأن الولادة لا تحدث مرةً واحدة، بل تتكرر مع كل كلمة صادقة. فالحقيقة، كما أثبتا، لا تحتاج إلى جيوش لتبقى، بل إلى صوتٍ لا يخاف، إلى عينٍ ترى، إلى ضميرٍ يرفض أن يساوم.
هكذا يصبح الصوت أكثر من مجرد تعبير؛ يصبح فعل خلق. يولد من رحم الخطر، ويكبر في وجه الخوف، ويترك أثره في الذاكرة، كأن كل كلمة تُقال بصدق، تفتح بابًا جديدًا للحياة. وكل خبر، وكل صورة، يصبحان بوصلة للضمير البشري، يُعيدان توجيه القلوب الضائعة إلى الطريق الذي يعرف النور.
في ساحاتٍ تتكاثر فيها الظلال، لم يكن حضورهما عابرًا، بل كان أشبه بخيط ضوءٍ يشقّ العتمة، يذكّر أن الحقيقة، وإن تأخرت، لا تضيع. وأن من يجرؤ على قولها، لا يكتب خبرًا فقط، بل يكتب معنى الوجود نفسه، حين ينحاز للإنسان، للوجع، وللصدق.

في النهاية، لا ينتصر الصمت… بل يتعب. يتعب من محاولاته المستمرة لاحتواء ما لا يُحتوى. أما الحقيقة، فتبقى، حتى لو تأخرت، وحتى لو تغيّر صوتها. وفاطمة فتوني وعلي شعيب لم يكونا مجرد شاهدين على هذا الصراع، بل كانا دليلًا حيًّا على أن الصوت، حين يكون صادقًا، لا يُقهر… وأن الحقيقة، مهما تأجّل ظهورها، ستولد دائمًا من جديد، بصوتٍ يعرف طريقه إلى الضوء.
لأن الحقيقة لا تُطفأ… هي فقط تغيّر شكل نورها.
ولأن الصوت، حين يُولد من الألم، لا يعود مجرد صدى… بل يصبح بوصلةً للذين تاهوا في العتمة.
وهكذا، لا تبقى الحكاية مجرد ذكرى، بل تتحول إلى وعد:
أن كل صمتٍ مهما طال… سيُكسر،
وأن كل حقيقةٍ مهما خُنقت… ستجد يومًا صوتها… وتنهض.
“مهما أطبقت الليالي على الصمت سدودًا…
يبقى صوت الحق يشرق، كالنهار، بلا حدود.”
“كل صمتٍ هو قيد مؤجل، وكل كلمةٍ ولادة…
والحقيقة في صوتها، لا تموت، ولا تُقهَر.”

شارك الخبر
error: !!