نرتّب الواجهة… ونترك الداخل ينهار.
بقلم: فاطمة يوسف بصل
في زمنٍ التبس فيه الفرق بين الواجهة والحقيقة، صرنا نعيش في مدينةٍ تُبدِّل مراياها أكثر مما تُرمّم جدرانها، وتُزيّن خرابها بألوان الزيف.
المدينة لا تُبدِّل جدرانها… تُبدِّل مراياها. كلّما تشقّق وجهها، علّقت مرآةً أوسع كي لا ترى الكسر. وكلّما نزف قلبها، غيّرت الإضاءة ليبدو الدمّ زينة. نحن سكّان المرايا، نسكن بيوتًا من انعكاس، نرى أنفسنا كما تُريد الصورة، لا كما يريد الداخل أن يُنقَذ. المرآة تُعلّمنا الكذب على أنفسنا: أن نتظاهر بالامتلاء حين يكون الداخل خاويًا، أن نبتسم حين تئن القلوب. وهكذا، صرنا أمة المرايا، كل وجه فيها واجهة، وكل قلب فيها سرّ مظلم.
السلطة لا تبني الحجر فقط، بل تُشيّد الظلَّ الذي يُغطّي الحجر. تُقيم واجهاتٍ من ضوءٍ مُقنِع، وتترك الأعمدة تنهشها رطوبة الإهمال. في القاعات، تُعلَّق الكلمات مثل لوحات زيتيّة: جميلة من بعيد، متشقّقة من قريب. الخطاب زيتُ اللوحة، والواقع قماشٌ مثقوب. مشهد رمزي واقعي: جسرٌ يُدشَّن بالأغاني، وتحتَه نهرٌ يأكل قواعده ببطء. كلّما اهتزّ الجسر، شدّوا الأضواء… ولم يشدّوا المسامير. هكذا، تُعلّمنا السلطة أن نحبّ الواجهة أكثر من العمود، وأن نحتفل بالمظهر أكثر من الحقيقة.
الإعلام ساعةٌ تلمع عقاربها ولا تقيس الزمن. يدور الخبر كعقربٍ سريع، لكن الحقيقة لا تصل إلى الدقيقة. تُعرض الوقائع كزينة واجهة، وتُخفى أسبابها في غرف الصيانة الخلفيّة. نستهلك الحدث كما نستهلك واجهة متجر: نقف دقيقة، نُعجب، نمضي. والخراب الحقيقي، يحتاج إقامةً طويلة كي يُرى، يحتاج أن تُرفع الأضواء قليلًا ليتضح الظل، وأن تُسمَع صرير الأعمدة خلف الرخام البراق.
الأقنعة في هذا المجتمع تُورَّث كما تُورَّث الأسماء. نرتديها احترامًا لتقاليد جديدة: تقليد “لا تُحرج الصورة”. نُربّي أبناءنا على هندسة الواجهة: كيف تبتسم حين ينهار الداخل، وكيف تُتقن الصمت حين يصرخ المعنى. رمز بيتيّ: بيت بواجهة زجاجية، وفي داخله ساعة بلا بطارية. الوقت واقف… والواجهة تقول إن كل شيء بخير. هنا، يعلّمنا المجتمع أن نصنع مظهر الأمان، بينما ينهار الداخل بصمت، ويصبح الألم خفيًا خلف الزجاج.
هناك خرابٌ أعمق من الجدران المهملة، أعمق من الكلمات الكاذبة: أجساد تُنتهك، أرواح تُسرق، وكرامة تُداس في صمت. كالعمود الذي يُترك مهملًا، يُترك الضحية وحدها لتواجه الخراب، بينما تتلألأ الواجهة لتخفي الجرح. العنف الجنسي ليس مجرد فعل، بل انعكاس للمدينة المرايا نفسها: الظل يغطي الجرح، والصمت يزيّن الخراب. الحقيقة هنا مؤلمة، لكنها ضرورة، إذ إن تجاهلها يُغذّي الخراب ويُشرّع أبواب الظل بلا نهاية. المرآة تمنح صورةً زائفة عن السلام والأمان، بينما الحقيقة تُظهر كسرًا لا يُمحى إلا بالإقرار والاعتراف والعمل على الترميم.
الخراب لا يبدأ حين يسقط السقف، بل حين يُستبدَل العمود بالديكور. حين يُزيَّن الفراغ ليُشبه الامتلاء، تُصاب الحقيقة بفقرٍ مُقنِع. نرتّب الواجهة لأنّها تمنحنا وهم الامتلاء، ونترك الداخل لأنّه يطالب بكسر المرآة لرؤية الوجه. كسر المرآة مؤلم… لكن ترك الكسر يتّسع أشدّ إيلامًا. الخراب ليس فجوة في المادة، بل فجوة في المعنى. حين نختار الزينة على الحقيقة، نصبح جميعًا مراقبين بلا فائدة، شهودًا على أن المظهر أهم من النجاة.
الترميم الحقيقي هو العودة إلى العظم، إلى ما لا يلمع ولا يُصفّق له. أن ننزع زيت اللوحات عن الشقوق لنرى اتساعها. أن نُطفئ الأضواء قليلًا لنسمع صرير الأعمدة. الترميم ليس صورة بعد الإصلاح، بل ورشة مفتوحة على الغبار، وسواعد تتسخ بالمعنى.
نرتّب الواجهة لأن المرايا تُحب الوجوه، ونترك الداخل لأنّه يُحب الحقيقة. المرايا تمنح صورة تُرضينا، والحقيقة تمنح كسرًا يُنقذنا. فإن لم نكسر المرآة اليوم، غدًا سيكسرنا الخراب… وستكون المرايا شاهدة على أننا اخترنا الزينة على الحقيقة، والظل على الجدار، والصمت على الصرخة.

