غربال الوطن… حين تمرّ الرؤوس الصغيرة وتسقط الأقنعة الثقيلة.
بقلم الدكتور محمد هاني هزيمة محلل سياسي خبير استراتيجي.
في زمن امتلأت الساحة ضجيج، وتاهت الأصوات الصادقة بين صدى الشعارات الفارغة، يصبح الوطن بأمسّ الحاجة إلى “غربال” ليس غربال حنطة او شعير، بل غربال المعاني والمواقف، غربال يُنقّي صفوفه من الزيف، ويكشف المعادن الحقيقية بين حشود الأسماء اللامعة، والوجوه المستعارة التي تتساقط كاوراق الخريف امام عواصف الخريف لترمي بين القمامة للتخلص منها فلا هي حاجة وبلا هدف بعد سقوطها، وجوه يابسة يائسة صفراء فاقع لون خيانتها لا نسر المشترين حتى وان كانت بثمن بخث في تجارة سياسية هم فيها من الزاهدبن
لقد طال الانتظار، لكن اللحظة جاءت هي لحظة الحقيقة التي تهزّ الأرض، فيتهاوى من عليها من أصحاب مظاهر خادعة، ويسقط أولئك الذين ظنّوا أن الأقنعة ستحميهم للأبد. فغربال الوطن يهتزّ كزلزال، لا يُبقي إلّا على الثابتين، الذين لم يتخلّوا عن مبادئهم في وجه الريح، ولم يبيعوا صمتهم في سوق النفاق حجمهم ثابت بقياس مواقفهم فوق غربال الارادة والتحدي وتسقط رؤوس صغيرة بسهولة من الثقوب اكبر منها فارغة كثيرا ما كانت تطفوا على وجه الموائد والمواقف المدفوعة الثمن المفروضة الأجر ، رؤوس مارقة لم تَشغلها فكرة الوطن، بل انشغلت ببناء تماثيل من وهم، وصدّقت أن الظهور في الشاشة أهم من العمل في الظل، وأن الهتاف أعلى من الفعل واليوم تاهت في صحراء الوجود باهتة تشبه الصدى الذي يزول هي أقنعة ثقيلة اثقلت اصحابها وسقطت ولم يدركوا يوما أن الحقيقة لا تنام فمن يُراكم الكذب على ملامحه، مهما أتقن الدور سيأتي يوم تفضحه الزاوية التي لم يخطط لها ولم يُحضّر لها او اللحظة التي لا تشبه المسرح التي برع على خشبته
لقد رأينا في هذا الوطن فريقنا منهم من سكت دهراً، فلما تكلّم، صدح بالحق كالرعد، ورأينا من كان يتقدّم الصفوف كأنه من المنقذين، فإذا به أول من يهرب عند الامتحان واقع يجسد مشهد موظفًا بسيط يانقذ حيًّا كاملًا من الكارثة بصمت، عكس مسؤولًا يُشعل الوطن من أجل مقعد وريب في امتحان الوطنية فسقط من غربال تحمله يد الوطن. غرباء لا عاطفة فيه، ولا مساومة. وهو لا يخطئ. يسقط فيه الطارئون، ويعلو من كان قلبه ينبض للناس، من كانت يداه مشغولتان لا بالكلام، بل بالبناء. من لم يُغيّر جلده في كل موسم، ومن لم يرفع صوته إلّا ليكون صدًى للحق.
في زمن سقوط الأقنعة وصعود التبعية، تبقى الإرادة الشعبية وحدها القوة الحقيقية. إرادة تعرف من يستحق أن يكون في دائرة الثقة، ومن عليه أن يرحل بصمت، أو حتى بفضيحة.
لأنّ غربال الوطن، مهما تأخّر، حين يهتزّ… لا يُبقي سوى الذهب.
لا بقاء إلا للحق، ولا كرامة إلا للثابتين على مبادئهم. الوطن، وإن صمت طويلاً، لا ينسى من غرس فيه الخيانة، ولا من سقاه بالوفاء. فليَمرّ الطارئون من غرباله كغبار لا أثر له، ولتسقط الأقنعة التي خدعت الناس بريقًا، لكنها لم تصمد أمام حرارة الحقيقة. فالوطن لا يحتاج من يرفعه بالشعارات، بل من يسنده بالفعل، ومن يخلع قناعه ليبقى وجهه عاريًا… نقيًا… وطنيًا.

