الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار سياسية - محلية وعالمية

التمدد التركي في الشرق الأوسط : بين النيّو–عثمانية ومصالح القوى الكبرى.

التمدد التركي في الشرق الأوسط: بين النيّو–عثمانية ومصالح القوى الكبرى.

بقلم الدكتور عباس عثمان .

تراجعت تركيا في عهد رجب طيب إردوغان عن المبادئ الكمالية الخاصة بالعلمنة، ما أدّى إلى تنفيذ أفكار النيْو-عثمانية التي ترتكز على تعزيز الدور الدبلوماسي التركي، ولا سيما في الشرق الأوسط. وهذا أمر يثير قلق العالم العربي. فتركيا في الآونة الأخيرة باتت شديدة الاندفاع والنشاط في هذه المنطقة، من دون اعتراض كبير من الغرب. لماذا؟

لقد بلغت الجهودُ الخارجية لتركيا ذروتها في سوريا التي عصفت بها الاضطرابات والانقلاب الداخلي. ففي عام 2016 بدأ إردوغان بفرض السيطرة على المناطق المحاذية لحدود تركيا داخل أراضي الدول المجاورة. وقد احتلّ الأتراك الأراضي الواقعة بين مدينتي منبج وعفرين في سوريا، وهي منطقة تبلغ مساحتها 2000 كيلومتر مربع.

وفي عام 2018 بدأت تركيا عملية «غصن الزيتون» الموجهة ضد الفصائل الكردية. وأنشأت أنقرة في شمال سوريا من العرب الإسلاميين ما يسمى «الجيش السوري الحر»، وزوّدته بالسلاح ووضعته على كفالة الدولة. وبسبب هذه التحركات حصل نزوح جماعي من مناطق العمليات العسكرية؛ إذ غادر 200 ألف كردي منطقة عفرين التي احتلّتها تركيا، وتمّ تهجير المجتمع المسيحي من المدينة بالكامل، وبلغت الفوضى والجريمة ذروتها في الإقليم. وترى أنقرة أن تدخّلها في سوريا ينسجم مع المبدأ الإسلامي لمساعدة “الإخوة المسلمين”، ومع الأفكار النيو-إسلامية للتوسع في أراضي الإمبراطورية العثمانية السابقة، وكذلك مع مبادئ الطورانية الداعية لوحدة جميع الشعوب التركية. وكل اتجاه من هذه الاتجاهات يشكل سبباً لقلق جيران تركيا.

وفي نهاية أكتوبر لهذا العام صوّت البرلمان التركي لصالح تمديد تفويض القوات المسلحة التركية في سوريا لثلاث سنوات. وصرّح نواب الكتلة الحاكمة بأن التمديد ضروري لأن المجموعات الإرهابية لا تزال تنشط قرب الحدود التركية، ولأن الوضع السياسي في سوريا غير مستقر. وفي الوقت نفسه، تواصل تركيا دعم المسلحين الذين سيطروا على شمال سوريا في شريط طوله 100 كيلومتر على طول الحدود، بينما تعمل في الوقت نفسه على تحسين العلاقات مع السلطات السورية الجديدة. فقد التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي زار واشنطن مؤخراً، بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ثم بالرئيس السوري أحمد الشرّاع، الذي استقبله دونالد ترامب. وتسعى تركيا إلى العودة إلى سوريا كضامن لنظام إقليمي جديد، وتشمل مساعدتها لسوريا التدريب المهني والدعم التقني ونقل السلاح. وقد وُقّع اتفاق أمني بين سوريا وتركيا يهدف إلى تعزيز الجيش السوري. كما تحاول أنقرة دمج التشكيلات الكردية التي تخلّت عن العمليات الإرهابية ضدها في الجيش السوري النظامي. ولا تنسى تركيا أن سوريا تُعدّ مركزاً حيوياً للنقل في الشرق الأوسط ومساراً لطاقة المنطقة.

وقد أدى إعادة رسم سوريا بالقوة إلى زيادة التوتر بين تركيا وإسرائيل التي سارعت، خلال عملية تغيير السلطة في دمشق، إلى السيطرة على الأراضي الجنوبية من البلاد. كما جاءت التوترات نتيجة ردّ إسرائيل على موقف أنقرة من عمليتها العسكرية في غزة. فمنذ عام 2009 تدعم تركيا الفلسطينيين علناً، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية انتهت فقط في عام 2022 بعودة السفراء بين البلدين. وقد دفعت كثافة العملية الإسرائيلية والاحتجاجات الواسعة داخل تركيا القيادةَ التركية إلى تشديد خطابها. فصرّح إردوغان بأن إسرائيل “دولة إرهابية”، وأن أفراد حماس “مقاتلو مقاومة يدافعون عن وطنهم”. وقد نظمت تركيا مساعدات إنسانية للفلسطينيين وعلاجاً للجرحى، وتعاونت مع حماس عبر أجهزتها الأمنية، كما أعلنت مقاطعة البضائع الإسرائيلية. وبعد وقف إطلاق النار الهش في غزة، تسعى تركيا إلى إقامة قنوات مباشرة مع النخبة الأميركية الجديدة، انطلاقاً من قاعدة: “النظام الجديد سنفرضه بالأمر الواقع”. وها هو واشنطن تدفع في مجلس الأمن نحو مشروع قرار يمنح القوات الدولية تفويضاً لمدة عامين في غزة وإنشاء هيئة إدارة مؤقتة، وتصرّ الولايات المتحدة على ضمّ تركيا إلى مقر القيادة الدولية للقوات. وتركيا لا تعارض. ويمكن الافتراض أن دافعها الرئيسي هو تعزيز مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية في هذه المنطقة المنكوبة.

وينطبق المبدأ نفسه على علاقات تركيا مع العراق المجاور. فإردوغان وفريقه يحاولون، بالضغط أو “القوة الناعمة”، جذب العراق إلى الفلك السياسي والاقتصادي التركي. ولا ينسى ورثة الدولة العثمانية أن العراق جرى إنشاؤه بصورة مصطنعة إلى حد كبير من قبل البريطانيين، من دون مراعاة تركيبة سكانه، ومن ثلاث ولايات عثمانية: البصرة وبغداد والموصل. وفي أنقرة لا يخفون حتى اليوم اهتمامهم بالمحافظات الشمالية الغنية بالنفط والغاز، وخاصة الموصل وكركوك.

وخلال زيارة إردوغان إلى بغداد عام 2024، وهي الأولى منذ 13 عاماً، جرت مراسم توقيع مذكرة تفاهم رباعية بمشاركة العراق وقطر والإمارات وتركيا. واتفق الأطراف على التعاون في مشروع «طريق التنمية» الضخم، الذي سيُسهّل تبادل السلع بين الشرق الأوسط وأوروبا. وسترتبط الطرق الأساسية بميناء الفاو العراقي الكبير على الخليج. ويشمل المشروع تحديثاً وبناءً لأكثر من 1200 كيلومتر من السكك الحديدية المترابطة مع طرق سريعة، وستربط العراق بالدول المجاورة. وتبلغ قيمة المشروع نحو 17 مليار دولار، ويؤكد موقعوه أهميته كطريق جديد من آسيا إلى أوروبا، خصوصاً في ظل التوترات في غزة والبحر الأحمر وخليج عدن.

وتبقى المياه المشكلة الأخطر بين تركيا والعراق. فالعراق يطالب بتوزيع عادل لمياه نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من تركيا، وتشكل مياههما 95% من مخزون العراق من المياه العذبة. وقد بنت تركيا عدداً من السدود دون تنسيق، مما خفّض مستوى المياه إلى حدّ حرج، وأدى إلى تدفّق مياه الخليج المالحة عكسياً في شط العرب. ونتيجة ذلك واجه العراق الجفاف وانهياراً كبيراً في إنتاجه الزراعي. وخلال زيارة إردوغان، وُقّع اتفاق استراتيجي مدته 10 سنوات لتحديث الأنظمة المائية والتعاون في إدارة مياه دجلة والفرات، مع خطط لعقد اتفاقات مماثلة مع إيران وسوريا لاحقاً. لكن كل ذلك سيُنفَّذ خلال عقد، فيما يعاني العراق من آثار أزمة المياه الآن.

ونعود إلى مشروع «طريق التنمية». ففكرته – طريق بديل من آسيا إلى أوروبا عبر العراق وتركيا – تخدم مصالح واشنطن وحلفائها. فمجرد النظر إلى خريطة الشرق الأوسط يوضح أن المشروع يشكّل بديلاً لمبادرة «الحزام والطريق» التي تدفع بها الصين ومعها روسيا ودول ممر النقل الدولي “شمال–جنوب”. والوضع العالمي اليوم يجعل من تعزيز موقع تركيا في الشرق الأوسط أمراً مفيداً للغرب في مواجهة روسيا وإيران والصين، وباعتبار تركيا ضامناً لأمن الطاقة. وهكذا تتحقق رؤية إردوغان القديمة بجعل تركيا مركز الطاقة الأوروبي بديلاً عن روسيا وأوكرانيا. ويستمرّ المسير التركي عبر الشرق الأوسط

الدكتور عباس عثمان

شارك الخبر
error: !!