الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

متفرقات

جفول الحكمة وذبول الأرواح في عصر الانكسار .

جفول الحكمة وذبول الأرواح في عصر الانكسار .

‎في دهور الانبعاث الأولى حين كانت الأرواح تتنفس عبير القداسة وتتراقص ذرات النور في محاريب الوجود وكان الزمن ينساب كنهر من الذهب المنصهر في أوعية الأبدية كان الغلام يسير إلى معبد العلم وقدماه تقبل تراب الدروب المقدسة وروحه ترتجف من هيبة اللقاء المرتقب وإذا ما وقع بصره على جلال المربي انكسرت في قلبه أمواج الكبرياء وغاصت نفسه في أعماق التسليم فصار الأدب عنده عبادة باطنة وشعيرة ظاهرة وأضحى التبجيل منبعا لا ينضب من التبجيل وكان للمعلم هالة كهالة الأولياء وكأن في كفيه أسرار الكون ومقاليد المعارف الخفية يعلم التلميذ أن الهيبة مصباح يضيء دروب الحكمة وأن الأدب سحابة تفيض بأمطار المعرفة فكان يجل المربي إجلالا لا يفسره سوى الحضور المقدس لسلطان الوالدين تحول الأب إلى طود شامخ من الصلابة والأم إلى ظل وارف من القداسة وكأنهما حارسان يقفان على أبواب العالم يمنعان انهياره فكان الناشئ يرتشف القيم مع أنفاسه الأولى مع همسات الليالي العذراء وهناك في معين الفطرة الصافي تفتحت براعم المفاهيم نضرة خالدة وتدفقت قوافل الأخلاق عبر الأجيال حتى حسبها الخلق من ثوابت الوجود
‎أما في هذا العصر المنكوب عصر الوحشة الجليدية والمرايا المحطمة تختفي شمس الأرواح خلف سحب الضياع ويتوه قمر الذاكرة الحزين بين أطلال الماضي المجيد وصار التلميذ شبحا أعزل يهيم في متاهات مجهولة بلا دليل بلا منارة بلا جذور راسخة في حضرة الأستاذ تتناثر الكلمات الزائفة وتسقط أقنعة الزيف الحديثة صار الاحترام مسرحية والعلاقة صدى ضائعا في عاصفة القيم المنهارة تسرب الضياع إلى أعماق البيوت صار الأب يرتعش في الظلمات والأم تلهث من عياء الحياة وكأن القيم هاجرت إلى مثواها الأخير في مقابر النسيان وضاعت التربية لأن الوجود بأسره انزوى خلف شاشات الأوهام وأصوات الدعايات ودوامة السرعة المحمومة
‎الحقيقة العارية بين الخرائب أن مهد الطفولة هجر أحضان البيت الدافئة صار العالم يربي والآلة تلقن والروح عطشى تهيم بلا مأوى ليست المحنة في البرامج وليست الكارثة في المربي وحده بل في انهيار المعنى وموت الجذر صار الاجتهاد غريب الوجه والصبر منبوذا والنظر العميق لا يجد مرآة صادقة ينعكس عليها لم يعد التلميذ يرى في المعلم معلما بل يرى فيه عتبة باهتة في طريق مظلم بلا نجوم الحلم صار بضاعة والإرادة تسرح في أسواق الأوهام
‎لقد تبدل الزمان لأن القيمة التي كانت تحرس الروح صارت غريبة عن الأرواح وصار الفضول الهادر يخدر العقول حتى أمسى الاحترام سحابا بلا مطر إنه عصر بلا فرسان بلا أنبياء للمعنى صار الحضور تنكرا والغياب سبيلا جديدا للوجود
‎ابحث عن السر في قلب التربية حين تهجر البيوت مواسم الحب والقوامة وتهدر الأرواح قربانا للحداثة الضائعة هناك فقط ينهار المعبد تسقط الأرواح وتبرد الشمس لقد غرقنا في السطحية فنبتت أشواك الوحشة بين جدران المدارس وفي القلوب الجديدة

رئيس تيار الفكر الشعبي
–الدكتور فواز فرحات

شارك الخبر
error: !!