كارثة بيئيّة في جرود الهرمل: نيران تحت الرماد تنذر بالأسوأ وتقضي على ما تبقّى من أشجار معمّرة
كارثة بيئيّة في جرود الهرمل: نيران تحت الرماد تنذر بالأسوأ وتقضي على ما تبقّى من أشجار معمّرة
حسين درويش – الديار
لملمت جرود الهرمل المحاذية لبلدتي مرجحين والشربين في أقاصي الجرد، عند آخر حدود الوطن، جراحات كارثة حريق قضى على أكثر من نصف الثروة الحرجية.
أطفأت طوافات الجيش اللبناني الحريق، لكن الأهالي – وما شاهدناه بالعين المجردة – يؤكدون أن النيران خمدت ظاهريًا فقط، فيما ما زالت الجمرات تتعسعس تحت الأغصان اليابسة والأوراق المتساقطة، مهددة بتجدد الاشتعال في أي لحظة، لتقضي على ما تبقى من مساحات لم تلتهمها النيران.
استفاقت بلدتا مرجحين والشربين، في الثالث والعشرين من آب الجاري، على هول كارثة ما كانت لتنطفئ لولا استجابة الجيش اللبناني لنداءات الأهالي بعد يومين من اندلاعها.
ثروة نادرة في مهب النيران
قضت الحرائق على مساحات واسعة من أحراج اللزاب المعمّرة، في أعالي القرنة الجبلية الغربية المطلة على الشربين ومرجحين، وصولًا إلى سهل عكار والضنية ومشمش وفنيدق من الجهة الشمالية.
التهمت ألسنة اللهب الأخضر واليابس من أشجار اللزاب والسرو والسنديان والبلوط والزعرور والإجاص والخوخ البري والملول، إلى جانب نباتات نادرة تُستخدم في الطب التقليدي. هذه المنطقة التي يعتبرها الأهالي “مقدسة”، كانت كمحميات طبيعية غير معلنة، تعايشت فيها الأشجار مع حقبات طويلة من التاريخ.
غياب الدولة وحضور الجيش
امتد الحريق إلى أكبر مساحة عقارية مملوكة لعائلات الشربين ومرجحين، ولولا تدخل طوافات الجيش لكانت الكارثة أشدّ وقعًا. ومع ذلك، لم يزر أي من الوزراء المعنيين – البيئة، الزراعة أو السياحة – المنطقة المنكوبة، ولم يطّلعوا على حجم المصيبة.
يؤكد الأهالي أن هذه الكارثة هي الأشد هذا العام، بفعل الجفاف والتصحر والتغير المناخي، ما ينذر بمصائب أكبر ما لم تُنشأ طرقات زراعية وبرك اصطناعية قريبة من هذه الثروات الطبيعية لحمايتها.
خسائر فادحة وأشجار بأعمار ألفية
قضى الحريق على مئات أشجار اللزاب التي يتجاوز عمر بعضها ألف عام، فضلًا عن كميات ضخمة من السنديان والسرو والبلوط. وتشير التقديرات إلى أن النيران أتت على نحو 2500 دونم من المساحات الحرجية.
المنطقة المنكوبة، التي تُعرف بحرج التفاحة، تعدّ من أكبر الأحراج المعمّرة في الشمال والمطلة على سهل عكار والضنية. إلا أن غياب الطرقات الزراعية وصعوبة الوصول، جعل مهمة إهماد النيران شبه مستحيلة، إذ تبعد أقرب بركة مياه عشرات الكيلومترات.
صرخة الأهالي والمسؤولية الغائبة
رئيس بلدية الشربين السابق، علي زين ناصر الدين، أكد أن الحريق “التهم ثروة لا تُقدّر بثمن من أشجار السرو واللزاب والسنديان تعادل نصف أحراج المنطقة”، محمّلًا الدولة مسؤولية الإهمال المتعمد لغياب مراكز الدفاع المدني وطرقات الوصول.
وقال: “هذه مناطق سياحية كان يقصدها حتى مرضى الربو للاستشفاء، وكان يجب أن تكون تحت رعاية الوزارات المختصة، ببرامج تشجير وحماية جدية”.
من جهته، شكر علي نديم ناصر الدين قيادة الجيش والدفاع المدني على تدخلهما، لكنه طالب الدولة بإعادة تأهيل وتشجير المنطقة، معتبرًا أن ما حصل جرس إنذار كبير لا بد أن يُترجم بخطط عملية عاجلة

