الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

متفرقات

المعلّم… حين تتحوّل الحصّة إلى جبهةٍ صامتة.

المعلّم… حين تتحوّل الحصّة إلى جبهةٍ صامتة.

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل.

الحربُ لا تقتحم المدن دائمًا بصوت الانفجارات. أحيانًا تدخل كظلٍّ باردٍ يتسلّل دون أن يُرى، لكنه يُشعَر في كلّ شيء. تجلس على الأرصفة، تعبر بين البيوت، وتصل بصمتٍ ثقيلٍ إلى أماكن لم يُفترض بها أن تمسّها… إلى الصفوف المدرسية.
هناك، حيث كان يُفترض أن تُزرع الأحلام، تُزرع الأسئلة الخائفة. وحيث كان يُفترض أن يعلو الضحك، يتسرّب ارتباك العالم من خلف النوافذ كأنّه لا ينتمي إلى مكانٍ محدّد.
في زمن الحرب، لا يعود التلميذ مجرّد طفل يحمل كتابًا ودفترًا، بل يتحوّل إلى كائنٍ صغيرٍ يحمل في داخله عمرًا أكبر من عمره. يأتي إلى المدرسة وكأنّه يتمسّك بخيطٍ رفيعٍ اسمه الحياة، ويجلس على مقعده كأنّه يحرس ما تبقّى من طفولته من الانهيار.
في الصفوف التي أنهكها القلق، لا يعود التعلّم مجرّد شرح درس، بل يصبح محاولة بقاء. بعض التلاميذ يكتبون واجباتهم على ضوء شمعةٍ ترتجف، وبعضهم يفتحون كتبهم وقلوبهم معلّقة على خبرٍ بعيد، وبعضهم يبتسمون كي لا يفضحهم خوفهم.
لكن الحرب، حين تعجز عن هدم الخارج، تبدأ بالتسرّب إلى الداخل: إلى اللغة، إلى السلوك، إلى حدود الاحترام.
فتختلط الجرأة بالجرح، والقوة بالقسوة، ويصبح الصفّ أحيانًا ساحة اختبارٍ للإنسان قبل أن يكون مكانًا للعلم.
في أحد الأيام، وقفتُ في الصف أحاول أن ألتقط ما تبقّى من الهدوء وسط ضجيجٍ لا يهدأ. كان هناك تلميذ لا يتوقف عن الكلام، وكأن الكلمات عنده لا تعرف حدودًا ولا نظامًا. كرّرت الملاحظة مرّة بعد مرّة، بهدوءٍ أولًا، ثم بحزمٍ أكبر، لكنه كان يعود إلى السلوك نفسه كأن شيئًا لم يُقال.
تراكم التعب في داخلي بصمت، وتزاحمت الأيام فوق صدري كأنها لا تمنحني فرصة لالتقاط أنفاسي. وحين شعرت أن الصبر بدأ ينزلق من بين يدي، قلت له بصوتٍ حاولت أن أُخفي ارتجافه: “غدًا لا تحضر الحصّة.”
ساد الصفّ صمتٌ قصير، صمتٌ يشبه التوقّف المفاجئ للزمن. ثم رفع رأسه ونظر إليّ ببرودٍ لم أتوقعه، وقال: “لاجري.”
لم تكن كلمة طويلة، لكنها سقطت داخلي كشيءٍ أثقل من أن يُحتمل. في تلك اللحظة، لم يكن الألم غضبًا فقط… كان إدراكًا صادمًا بأن شيئًا ما قد انكسر في معنى الاحترام داخل الصف، وكأن الحرب لم تعد خارج الجدران، بل بدأت تغيّر شكل اللغة نفسها.
وقفتُ لحظةً لا أعرف فيها إن كنتُ معلمةً في صفٍّ عادي، أم شاهدةً على انهيارٍ صغيرٍ يتكرر كل يوم. ليس لأن كلمة أُطلقت، بل لأن طفلًا بدأ يفقد توازنه بين ما يُقال وما ينبغي أن يُقال.
ومع ذلك، تبقى المعلّمة في هذا الزمن ليست طرفًا في مواجهة، بل قلبًا يقف على الحافة بين الانهيار والصبر. تحمل الصفّ كمن يحمل مدينةً صغيرةً تحتاج إلى من يمنعها من التفتّت. تُعيد الشرح مرارًا، تبتسم رغم الإنهاك، وتحاول أن تُبقي في المكان شيئًا يشبه الأمان، حتى لو كان هشًّا.
وفي المقابل، يبقى التلميذ هو الامتحان الأكبر… ليس في المعرفة فقط، بل في السلوك، في الكلمة، في طريقة الوجود داخل عالمٍ يضجّ بالخوف.
فالاحترام ليس تفصيلًا تربويًا عابرًا، بل هو جوهر إنسانيّةٍ كاملة.
في زمن الحرب، تتبدّل المعاني كلها، لكن أخطر ما يتبدّل هو الإنسان حين لا يجد من يُمسكه بلطف.
فالحرب قد تُرهق المدن، وقد تُسقط البيوت، وقد تملأ العالم بالخوف، لكنها تبقى عاجزة أمام معلمةٍ ما زالت تقف رغم التعب، وأمام طفلٍ ما زال في داخله شيءٌ قابلٌ للنجاة.
إن المعلّم ليس مجرد ناقل معرفة، بل هو مجاهدٌ صامت، لا يحمل سلاحًا، بل يحمل صوتًا هادئًا يحاول أن يعيد ترتيب الفوضى، وينقذ ما تبقّى من الإنسان داخل كل تلميذ.
قد تنطفئ مدنٌ كاملة، لكن صفًا واحدًا فيه معلّمة تؤمن، وتلميذٌ يتعلّم أن الكلمة مسؤولية، يبقى شعلةً صغيرةً تقاوم كل هذا الظلام… ولا تنطفئ بسهولة.

شارك الخبر
error: !!