الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار سياسية - محلية وعالمية

هرمز… حين يكتب البحر قانونه.

هرمز… حين يكتب البحر قانونه.

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل.

أيُّ بحرٍ هذا الذي يُعاد رسمه بالحبر لا بالماء؟
وأيُّ موجٍ ذاك الذي يحمل في طيّاته قراراتٍ تُشبه العواصف؟
وكيف لممرٍّ ضيّق أن يتّسع لكل هذا الصراع؟
هناك، عند مضيق هرمز، لا تُقاس المسافات بالأميال، بل بثقل القرار، ولا تُسمع فقط أصوات الأمواج، بل صدى الإرادات المتصادمة.
تُطلّ طهران من ضفافه هذه المرّة، لا بسفنٍ وحدها، بل بنصوصٍ وقوانين. كأنها تقول إن البحر، الذي اعتاد أن يُحكم بقواعدٍ دولية، يمكن أن يُعاد تشكيله بقلمٍ سيادي. التشريع هنا ليس حبرًا على ورق، بل محاولة لإعادة تعريف المكان: من ممرٍ مفتوح إلى مساحةٍ تُرسم حدودها بإرادة الدولة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز عبارة “قواعد الاشتباك” كأنها موسيقى خافتة قبل العاصفة. ليست حربًا معلنة، ولا سلمًا مطمئنًا، بل منطقة رمادية، تتحرك فيها السفن بحذر، وتُقرأ فيها كل إشارةٍ كأنها احتمال مواجهة. القاعدة لم تعد فقط كيف تُطلق النار، بل متى تُلوّح بها، وكيف تجعل الآخر يفهم دون أن تُصرّح.
هنا، يتغيّر معنى القوة. لم تعد فقط في المدافع أو الأساطيل، بل في القدرة على تحويل القانون إلى درع، والقرار إلى رسالة. أن تُمسك بالممرّ يعني أن تُمسك بنبض العالم، لأن كل ناقلة نفط تمرّ هناك تحمل في جوفها شيئًا من استقرار الأرض… أو اضطرابها.
لكن البحر، بطبيعته، لا يعترف بسهولة بالحدود. فهو مساحة مشتركة، تتقاطع فيها مصالح الأمم، وتُراقبها أعين الأمم المتحدة واتفاقياتها. وأي محاولة لإعادة رسمه من طرفٍ واحد، تشبه رمي حجرٍ في ماءٍ راكد؛ دوائره لا تتوقف عند نقطة السقوط، بل تمتدّ بعيدًا، حيث لا يمكن توقّع مداها.
أما لبنان، البعيد جغرافيًا عن المضيق، والقريب حدّ التماهي مع ارتداداته، فيقف مرةً أخرى عند تقاطع التأثر لا التأثير. فالتلويح الإيراني لا يقتصر على تنظيم الملاحة، بل يحمل في طيّاته رسالة أشدّ وضوحًا: أن هذا الممرّ الحيوي لن يكون بمنأى عن نيران الإقليم، وأن فتحه أو تهدئته قد يرتبط بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان. هنا، يتحوّل البحر إلى ورقة ضغط، ويتحوّل الوطن الصغير إلى جزءٍ من معادلة الردع غير المباشرة بين طهران وإسرائيل.
في هذا التداخل، لا يعود لبنان مجرد متلقٍ للأحداث، بل يصبح ساحةً تتردد فيها أصداء القرارات الكبرى. ترتفع أسعار الطاقة، تضيق هوامش الاستقرار، وتتعمّق الانقسامات، فيما يقف المواطن أمام موجٍ لا يرى مصدره بقدر ما يشعر بثقله.
في الختام، حين يضيق البحر بما فيه، تتّسع الأسئلة أكثر مما تتّسع الإجابات. فهرمز لم يعد مجرّد ممرٍ تعبره السفن، بل بات مرآةً تعكس هشاشة العالم حين تتصارع الإرادات على حافة الماء. وبين طهران وإسرائيل، وبين التصعيد والردع، يبقى لبنان كمن يقف على شاطئٍ تتكسّر عليه أمواج لا يملك دفعها، ولا خيار له إلا أن يصمد.
هنا، لا يكون النجاة في انتظار العاصفة أن تمرّ، بل في أن لا يتحوّل الوطن نفسه إلى جزءٍ منها. لأن الأوطان التي تُستدرج إلى صراعات الآخرين، لا تغرق فجأة… بل تتآكل بصمت، حتى يصبح البحر في داخلها، لا على حدودها.

شارك الخبر
error: !!