ثلاثاء العار: جثث ودمار وسلطة بزار
بقلم: د. محمد هزيمة – كاتب سياسي وباحث استراتيجي ومستشار في العلاقات الدولية
بعيدًا عن الاتهام وترف السياسة وأساليب إدارة الملفات، وفي لحظة مصيرية يقف فيها لبنان على فالق زلزالي هزّ العالم، وعواصف مشاريع سياسية هبّت رياحها كأعاصير هزّت أركان الداخل، وعبثت بتركيبة هشة لم تصل يومًا إلى مستوى دولة كاملة الأوصاف، لا في الجمهورية الثانية التي انبثقت من اتفاق الطائف، ولا في جمهورية الامتيازات ورثة الاستعمار الفرنسي، والتي كانت امتدادًا لدولة لبنان الكبير بعد ضم الأقضية الأربعة إلى متصرفية جبل لبنان، ورسم حدودها سايكس-بيكو على أنقاض السلطنة العثمانية، بعد قرون من الاستعمار التركي واستبداله بالفرنسي، تماشيًا مع توازنات القوى المستجدة حينها.
وأنتج ذلك عالمًا جديدًا تكوّن بعد الحرب العالمية الأولى، وتحددت أبعاده بعد الحرب العالمية الثانية، في مشهد مختلف عما قبله، مع غياب الإمبراطوريات وبروز قوى جديدة، وولادة كيانات دول، بينها لبنان، دولة مستقلة ذات سيادة، عربية الانتماء.
بعد الطائف، أصبح لبنان تعدديًا متنوعًا بدستوره، ملتزمًا بثوابت الأمة العربية، وفي مقدمتها فلسطين، باعتبارها قضية قومية وجزءًا لا يتجزأ من السيادة الوطنية، مع حدود مع فلسطين المحتلة، وهدنة عام 1948 التي تخرقها إسرائيل.
وقد دفع لبنان ثمن موقعه الجغرافي أثمانًا كثيرة وكبيرة من اعتداءات مستمرة واجتياحات متكررة، وصل بعضها إلى العاصمة بيروت، واستمر باحتلال جزء من الأراضي، وانتهاكات دائمة للسيادة بحرًا وبرًا وجوًا.
وتضاف إلى ذلك قضية اللبنانيين الأسرى الذين لم تعِدهم الهدنة الأخيرة الموقعة أواخر عام 2024، ولم توقف حرب الإبادة الإسرائيلية، برغم التزام لبنان بجناحيه الحكومي والمقاوم.
وبحسب لجنة الميكانيزم، تم تسجيل ما يزيد عن عشرة آلاف خرق إسرائيلي، أوقعت مئات الضحايا من اللبنانيين شهداء، ودُمّرت آلاف المنازل والمؤسسات، في ظل صمت من الراعي الأميركي، وأحيانًا تبرير من الداخل اللبناني المنقسم منذ تأسيس الدولة.
ومعاناة لبنان عمرها من عمر الاستقلال، إذ كلفته حربًا أهلية، وقبلها ثورات وتوترات انتهت باتفاق الطائف الذي كرس هوية لبنان العربية وحق المقاومة لاستعادة الأرض.
ويشهد لرئيس الحكومة حينها، الشهيد رفيق الحريري، أنه كان داعمًا للحضور اللبناني في المحافل الدولية.
وفي مرحلة لاحقة، تحقّق أول انتصار في الصراع العربي الإسرائيلي، وتم تكريس معادلة “جيش، شعب، مقاومة” في البيانات الوزارية، في مواجهة كل أشكال العدوان على لبنان، من العدو الإسرائيلي.
وقد نقل ذلك لبنان من وطن ضعيف إلى وطن قوي بمقاومته، التي لا تزال تقاتل على الحدود الأمامية في مواجهة الاعتداءات.
لكن في المقابل، استمر الانقسام الداخلي، وتجاوزات دستورية، وممارسات سياسية أضعفت دور الدولة وحدود سلطتها والتزامها تجاه الوطن والمواطن، حتى تحوّلت السلطة إلى سلطة بمرجعية خارج الدستور، وتجاوزت الضوابط، بدءًا من البيان الوزاري إلى تنظيم عمل مجلس الوزراء وآلية اتخاذ القرار.
كما تمّ تجاوز ميثاق العيش المشترك منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة خارج التوازنات البرلمانية، مع اختلال في التمثيل السياسي.
وتم تبنّي ورقة عمل أميركية تحمل مطالب تمسّ أمن إسرائيل على حساب الوطن، ولم تتوقف الاجتهادات السياسية عند هذا الحد، بل وصلت إلى حد طرح منع المقاومة، وهي حقّ مكرّس بالمواثيق الدولية والبيانات الحكومية.
وتُوّج هذا المسار بجريمة “مفاوضات مباشرة مع العدو”، بدعم داخلي اتخذ غطاءً مذهبيًا، وتكامل مع رعاية أميركية، وتقاطعت فيه مصالح الداخل مع الخارج.
وقد أُريق دم اللبنانيين على مذبح التزامات السلطة، كما أُهدر الدستور والسيادة، في وقت قُدمت فيه تنازلات اعتُبرت طوق نجاة لحكومة نتنياهو الغارق بأزمات الداخل، كما في دماء الأبرياء من فلسطين إلى لبنان، وما بينهما إيران واليمن وسوريا.
ويظهر نتنياهو اليوم بصورة المنتشي بالنصر، رغم أنه في موقع فرض الشروط على وطن لا تزال مقاومته تسطر الملاحم على الحدود، فيما تعمّ الأجواء رائحة الدم والبارود.
وفي المقابل، تمضي سلطة فاقدة للمسؤولية الإنسانية والوطنية في تبنّي شروط سياسية تُتهم بأنها تصبّ في مصلحة المشروع الإسرائيلي، ضمن صراع إقليمي أوسع.
ويبقى لبنان، رغم كل ذلك، قويًا بمقاومته، ووحدة شعبه.

