نتنياهو ومحاكمته الدائمة… هل يفتح جبهة جديدة كلما اقتربت ساعة الحساب؟
كتب الصحافي هادي حسين شكر في جريدة البناء

في كلّ مرة يُستدعى فيها رئيس وزراء حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، إلى المحكمة لمتابعة قضايا الفساد التي تلاحقه منذ سنوات، يخرج الرجل من قاعة المحاكم ليشعل جبهة جديدة، وكأنّ الحرب باتت وسيلته الوحيدة لصرف الأنظار عن محاكمته، ولإقناع الداخل “الإسرائيلي” بأنّ سقوط حكومته يعني سقوط “الدولة اليهودية” بأكملها.
فمنذ انطلاق المحاكمة الجنائية الرسمية لنتنياهو في مايو 2020، بتهم تتعلق بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، أصبحت الأزمات الأمنية والسياسية ترتبط بشكل متكرّر بجدول جلساته القضائية. فقد شهدت تلك المحاكمة تأجيلات متكرّرة، ليس فقط لأسباب قانونية، بل في الغالب، تحت ذرائع أمنية مرتبطة بانفجار جبهت الحرب مع غزة، والتصعيدات المستمرة مع لبنان، في حرب 2023 ـ 2024 التي بدأت في غزة ثم امتدّت إلى الجنوب اللبناني.
وفي 5 حزيران 2025، ومع تصاعد الحديث عن تصويت وشيك على حلّ الكنيست، وتزايد الضغط السياسي عليه، أعطى نتنياهو الضوء الأخضر لتنفيذ هجوم واسع على الضاحية الجنوبية لبيروت في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان و”إسرائيل”، حيث نُفذت الضربات بـ 23 غارة جوية عبر مُسيّرات وطائرات مقاتلة حربية، استهدفت مناطق الحدث وحارة حريك وبرج البراجنة، بزعم وجود منشآت لتصنيع الطائرات المسيّرة تابعة للمقاومة الإسلامية.
لكن نتنياهو لم يكتفِ بهذه الضربات، ففي فجر 13 حزيران 2025، وسّع نطاق العدوان ليطال الأراضي الإيرانية مباشرة، في تصعيد بالغ الخطورة، بدا وكأنه محاولة أخيرة للهرب من لحظة انهيار سياسي داخلي.
جاء كلّ ذلك في سياق واضح: منع حلّ الكنيست وتأجيل حتمي لمحاكمته.
حيث استخدم نتنياهو كعادته فزاعة “التهديد الإيراني” لإقناع حزب “الحريديم” بعدم التصويت لصالح حلّ الكنيست، قبل تمرير قانون التجنيد الذي يرضيهم. وهو خطاب يراهن فيه على جمع الداخل حوله تحت راية “الوحدة في وجه الخطر الوجودي”، رغم أنّ أغلب المؤشرات تفيد بأنّ الهجوم على إيران لم يحقق سوى تعرية حدود القدرة “الإسرائيلية”، لا سيما بعد الردّ الإيراني المؤلم الذي فضح هشاشة الجبهة الداخلية “الإسرائيلية”.
وفي تطور لافت، قرّرت المحكمة المركزية في القدس تأجيل جلسة محاكمة نتنياهو الأخيرة يوم الأحد الماضي في 29 حزيران 2025 تحت ذريعة إمكانية حدوث تطورات إقليمية خلال الفترة المقبلة، رغم رفض طلبين سابقين للتأجيل. واللافت أنّ نتنياهو استدعى لجلسة التأجيل شخصيات من العيار الثقيل: رئيس “الموساد”، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وممثل عن مجلس الأمن القومي، في مشهد غير مسبوق، أراد من خلاله أن يربط مصيره الشخصي بمصير “أمن الدولة”.
هذا السيناريو يفتح الباب أمام تساؤلات جدية: هل التأجيل تمهيد لفتح جبهة جديدة؟ هل نحن أمام عمل عسكري جديد في الركن الشمالي الشرقي من قارة أفريقيا ـ أم أمام ضربة مركزة على اليمن بذريعة ضرب “أذرع إيران”؟ أم أنّ هناك اتفاقاً غير معلن على إنهاء حرب غزة بضمانات مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تقضي بوقف المحاكمة مقابل حفظ ماء وجه نتنياهو وتقديمه كزعيم يهودي في زمن الصراع الوجودي؟
الاحتمالات كلها مفتوحة والجواب بيد نتنياهو،
ولمن يتساءل هل هناك احتمال لإعادة التصعيد مع إيران؟ الجواب في الواقع خيار التصعيد مع إيران يبدو مستبعداً في المرحلة المقبلة، بعد أن كشفت التجربة الأخيرة أنّ إيران تمتلك قدرة ردع صاروخية اضافة الى القوة الاستخبارية الأمنية التي تجعل من أيّ مغامرة جديدة معها، مغامرة خاسرة. وهذا الذي يدفع نتنياهو ربما للبحث عن ساحة أكثر “مرونة” وأقلّ كلفة.
لكن السؤال الحقيقي الذي يُطرح اليوم: إلى متى سيبقى نتنياهو يهرب إلى الأمام؟ وهل ستكفي الجبهات الخارجية لتأجيل لحظة الحقيقة التي تقترب، لحظة الحساب أمام القضاء وأمام التاريخ؟
{صحيفة البناء}

