الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

فنون واجتماعيات

ترند اليوم: تجميل الفاجعة حين تتحوّل المعاناة إلى لقطة قابلة للمشاركة.

ترند اليوم: تجميل الفاجعة حين تتحوّل المعاناة إلى لقطة قابلة للمشاركة.

بقلم: فاطمة يوسف بصل

في زمنٍ صار فيه الألم قابلًا للتمرير، تُختصر الكارثة بسحب إصبع، وتُقاس المأساة بعدد المشاهدات، ويُمنَح الحزن قيمةً مؤقتة بقدر ما يحصد من إعجابات. لم تعد الفاجعة توقظ الضمير طويلًا؛ صارت “ترندًا” له عمرٌ افتراضيّ، ينتهي حين يظهر ترند أحدث… وفاجعة أكثر حداثة. الأرملة التي تبكي ابنها في فيديو لمشتركين لا يعرفونها، والفقير الذي يمدّ يده في صورة تنتشر أسرع من مساعدته، والضحية التي تُرفع صورتها كشعار مؤقت قبل أن تُنسى… كلّهم يمرّون في حياة الناس كصورٍ عابرة، لا كوجعٍ حقيقي.

نُفلتر الوجع كما نُفلتر الصور: نخفّف حدّة القبح، نعدّل الإضاءة على الخراب، نقصّ من الكارثة ما يُفسد المزاج العام، ثم نرفعها إلى منصّاتنا كأننا أنقذنا العالم بمجرد النشر. ننسى أن الكارثة لا تُشفى بالتداول، وأنّ الجرح لا يلتئم لأنّنا شاركناه.

في هذا المجتمع، لا يُقاس الوجع بعمقه، بل بمدى قابليته للانتشار. كلّ ما لا يُصوَّر يُهمَل، وكلّ ما لا يُشارك كأنّه لم يكن. هكذا نُدرَّب على أن نكون جمهورًا دائمًا، لا شهودًا مسؤولين.

الواجهة الرقمية هنا ليست شاشة فقط؛ هي عقلٌ جماعيّ تعوّد أن يرى الخراب جميلاً، ما دام مُصوَّرًا بإضاءة جيّدة، وما دام الألم بعيدًا بما يكفي عن غرفة المعيشة.

في المشهد العام، تتصرّف السياسة كصانع محتوى بارع: تعرف متى ترفع الصوت، ومتى تُطلق وسمًا، ومتى تُسدل الستارة على كارثة قديمة لتفسح المجال لكارثة جديدة أكثر “قابلية للتداول”. تُدار المآسي بمنطق الإيقاع الإعلامي: الصدمة أولًا، ثم التبرير، ثم الإنهاك، ثم النسيان.

ليست الجريمة دائمًا فعلًا جسديًا صريحًا؛ أحيانًا تكون اغتصابًا بطيئًا للبراءة كقيمة. حين نُقنِع الطفل أنّ الصمت أمان، وأنّ التكيّف بطولة، وأنّ النجاة الفردية فضيلة حتى لو غرق الجمع، نكون قد درّبناه على التعايش مع القبح، لا على مقاومته.

كثرة المشاهدة تُنتج خدرًا. القلوب التي تتعرّض لفيضٍ دائم من المآسي تتعلّم الدفاع عن نفسها بالتبلّد. نضغط زرّ الإعجاب على حزنٍ لا نعرفه، ثم نعود إلى يومنا كأنّ شيئًا لم يكن. وهكذا يتحوّل التعاطف إلى إيماءة، وتتحوّل الأخلاق إلى ردة فعل مؤقتة.

ليس الخطأ في أن نرى ونشارك، بل في أن نكتفي بالرؤية والمشاركة. الخطأ أن نُصدّق أنّ الصورة بديلٌ عن الفعل، وأنّ التعليق يُغني عن الموقف، وأنّ التعاطف الرقمي يعفينا من مسؤولية التغيير.

المدينة لا تحتاج مزيدًا من الفلاتر، تحتاج شجاعة كسر المرايا. تحتاج من يعيد الاعتبار للإنسان لا كموضوع تصوير، بل كغاية كلّ سياسة، وكلّ قرار، وكلّ خطاب.

في عصر السرعة، صرنا نمرّ على الكارثة كما نمرّ على إعلانٍ عابر. نُحدّث الواجهة… ويتعطّل الضمير. نُجمّل الفاجعة كي لا تُحرجنا، ونُزيّن الخراب كي لا نُحاسَب. لكن الحقيقة عنيدة: الجرح الذي نُفلتره لا يلتئم، والخراب الذي نُجمّله لا ينهار وحده، بل ينهار فوق رؤوسنا يومًا ما.

ليس أخطر ما في الفاجعة أن تقع، بل أن تتحوّل إلى “ترند”… ثم تُنسى. حينها، لن يبقى من الضحايا إلا أرقامٌ في إحصائيات النسيان، ولن يبقى منّا إلا شبه أرواح تتحرّك في وهم الاكتفاء، وتتنفّس هواءً مسمومًا بالصور.

شارك الخبر
error: !!