حين تنكسر الثقة… من يُعيد للمرأة اكتمالها؟
بقلم: فاطمة يوسف بصل
في ليلة ماطرة، حين تنكسر الثقة، تختفي الأضواء، وتسكن الأصوات، ولا يبقى سوى صدى صمتٍ يهطل كالمطر الخفي على روح المرأة. هناك، في ذلك الوادي المظلم، لا تُفقد المرأة شخصًا، بل تُفقد بوصلتها الداخلية، ذلك الضوء الذي كان يرشدها وسط ظلال العالم.
كأنها مرآة مكسورة، تبحث في الأفق عن انعكاسها الضائع بين شظايا اليقين. الثقة ليست مجرد شعور، بل هي نسغ الحياة الذي يسري في صميم الكيان. حين تكون سليمة، تمشي المرأة كزهرة متفتحة في ربيعها، حتى لو كانت الرياح عاصفة. وحين تنكسر، تتفتّت جذور الروح، ويصبح كل شيء هشًا: الكلمات تصبح أشواكًا، والنظرات سيوفًا، والابتسامات مرآة مشوّهة.
انكسار الثقة لا يأتي كالبرق، بل كقطرات المطر الحامض، تآكل الحجر ببطء حتى يظهر الصدع. كلمة واحدة تُنذر بالشك، نظرة واحدة تُرسم في القلب خطوط الخوف، وخذلانٌ متكرر يُحرّف خارطة الذات. وهكذا، تبدأ المرأة بالابتعاد عن نفسها، لا لضعفها، بل لأن روحها بدأت تشكّ فيما كانت تؤمن به.
حين تتكسّر الثقة، تصمت المرأة، كأنها نافذة مغلقة أمام الريح، تتحرك بحذر بين الآخرين، مرهونة برأي العالم، باحثة عن ثقة مستعارة من عيون الآخرين. كثيرات يواصلن السير مبتسمات، لكن داخلهن حكايات شظايا لم تُجمَع بعد، ومرايا مكسورة لا تعكس سوى ظلال الماضي.
في حياة المرأة اليومية، نرى الانكسار في كل زاوية: موهبةٍ تتوقف عن النمو خوفًا من الفشل، أمٍّ تشك في ذاتها لأنها قورنت بغيرها، شريكةٍ تصمت عن الأذى كي لا تُتّهم بالمبالغة. هذه الشرائح الصغيرة من الألم اليومي تصنع الانكسار الأكبر، خطوةً خطوة، حتى يصبح اكتمالها بعيد المنال.
لكن السؤال العميق يبقى: من يعيد للمرأة اكتمالها؟ الجواب لا يأتي من الخارج. لا اعتذار متأخر ولا وعد خجول يمكن أن يرمم الشظايا. اكتمال المرأة يولد من الداخل، من مواجهة الظلال، من إعادة رسم الحدود بين ما يخصها وما ليس لها. حين تفهم المرأة أن الخطأ لا يمحو القيمة، وأن الضعف ليس عارًا، وأن الثقة ليست شيئًا يُستعار بل تُزرع في الروح، تبدأ رحلة إعادة الاكتمال.
استعادة اكتمال الذات فعل شجاع، أشبه ببناء قصر من الرماد، حيث تُجمَع كل شظية، تُنقّى وتُحَوَّل إلى حجر جديد. هو قول «لا» دون خجل، و«نعم» دون خوف، هو اختيار الذات بلا تبرير، هو إعادة تعريف المرأة لنفسها كما تستحق، لا كما يريدها العالم.
وحين تُسأل المرأة: من يعيد لها اكتمالها بعد أن تنكسر الثقة؟، يكون الجواب صدى داخلها، لا يدًا ممدودة ولا اسمًا يُنادى. الجواب يولد حين تقرّر أن تستعيد ذاتها، حين تُرمّم شظاياها بصمت، حين تحوّل الألم إلى حكاية نجاة.
اكتمال المرأة لا يُمنح، ولا يُرقَّع، بل يُخلق من الداخل، قطعة قطعة، كلوحة فنية تُعاد رسمها بعد العاصفة. وعندها، تصبح الشظايا شهادة حياة، والمرأة التي أعادت بناء ذاتها من الرماد، لم تعد تُكسَر مرتين.
فلتصرخ المرأة في صمتها: أنا أعود، وأعيد قلبي المكسور إلى يدي، وأزرع في روحي وردًا لا يذبل، لأنني، رغم كل الانكسارات، أنا أنا… وأنا، رغم كل الشظايا، كاملة.

