قلبٌ أوجعته المطارقُ حتى نزفَ همسًا… ثم حاسبوه على رحيله البطيء .
بقلم : فاطمة يوسف بصل.
لا يولد القلب صلبًا، ولا تُصنع القسوة إلا في أتون الخيبات.
نولد نقيّين كالماء، نحب بلا حدود، نثق بلا حساب، نغفر بلا شروط…
حتى تأتي الحياة، أو من فيها، لتطرقنا بمطارق لا تعرف الرحمة، لتصنع من ضعفنا درعًا، ومن وجعنا سيفًا.
القلب ينهار تدريجيًا، كما ينهار الجبل تحت ريح لا تهدأ، كما ينهار الشجر تحت المطر الحامض…
كل ضربة، كل خيبة، كل غدرٍ مكتوم… تترك ندبة.
ومع كل ندبة… يختفي جزء من صوته، يذوب جزء من نوره… حتى يبدأ بالنزف همسًا لا يسمعه أحد.
هناك من أحبّ أكثر مما يُحتمل…
غفر أكثر مما ينبغي…
انتظر أكثر مما يليق بكرامته…
حتى أدرك أن الحب وحده لا يشفّي، وأن الصبر وحده لا يكفي، وأن الخير وحده لا يحميه من طرقات العالم القاسية.
المطرقة لا تميز بين البراءة والخطيئة…
تطرق القلوب على حدّ سواء.
فتتحوّل البحار الطيّبة إلى جدرانٍ صلبة، وتصبح النفوس اللطيفة سيوفًا حادة، تحمي ما تبقّى من نقائها بصمت، بعيدًا عن من أساء إليها.
قلبٌ أحبّ بلا حساب… غُيّب صوته، وتسلّلت إليه الصدمات، حتى صار صمته صرخة، ونزفه همسًا…
وحين قرّر الرحيل أخيرًا، رحل ببطءٍ شديد، كما يرحل الضوء حين يُطفأ تدريجيًا…
ثم يأتي من لاموه: “لماذا تغيّرت؟ لماذا لم تعد كما كنت؟”
وكأنهم لم يروا المطارق التي طرقته، وكأنهم نسوا كل ما أغرقه في الألم.
القلب الذي يُطرَق كثيرًا… لا يصبح قاسيًا، بل يصبح حيًّا على نحوٍ آخر.
يصنع من صمته سلاحًا، ومن حنانه جدارًا، ومن نزفه همسًا يحميه من السقوط مرة أخرى.
القسوة ليست اختيارًا…
بل هي الجدار الأخير، الدرع الذي يبقي ما تبقّى من روحٍ لم يُحترم.
وربما، ما يسمّونه تغيّرًا، ليس إلا النجاة الأخيرة لقلبٍ طُرق حتى انطفأ…
نجاة من الذين لم يفهموا يومًا أن الحب القوي لا يُرادف ضعفهم، وأن الطيبة المفرطة ليست دعوة للاستغلال، وأن الوداع أحيانًا ليس خيانة، بل حرية الروح التي لم يعد لها مكان.
في داخل كل قلبٍ صار قاسيًا، ينبض قلبٌ لم يمت… قلبٌ يتذكّر كيف كان جميلًا، وكيف أحبّ بلا خوف…
لكنه تعلّم أن البقاء أحيانًا يعني أن تُطرق حتى ينكسر ما تبقّى، وأن تغادر هادئًا، حتى لو اتُهِمت بالتغيّر.

