الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

متفرقات

موهبة التحدّي… المجد الذي يولد من رمادٍ يرفض أن يبرد

موهبة التحدّي… المجد الذي يولد من رمادٍ يرفض أن يبرد

بقلم: فاطمة يوسف بصل

في عالمٍ يتساقط فيه الناس كما تتساقط الأوراق اليابسة تحت أول ريح، عالمٍ يزدحم بالهزائم حتى ليكاد الهواء ذاته يشهق من ثقل الانكسارات… هناك فئة نادرة تخرج من بين الغبار، تحمل في عروقها شرارة لا تنطفئ، وتمشي كأنها خُلقت من معدنٍ لا يعرف الانحناء:
إنهم أصحاب موهبة التحدي.

موهبة لا تُشترى ولا تُدرَّس، بل تُولد في لحظةٍ مظلمة حين لا قنديل يرشدك، ولا يد تمسك بك، ولا صوت يشجعك… سوى رجفة روحك وهي ترفض أن تموت.
هناك، في تلك النقطة العميقة حيث يشبه الإنسان رمادًا متعبًا، يندلع فجأة لهيبٌ داخلي يقول:
“لن أنطفئ… حتى لو خذلنا العالم.”
التحدي أن تنهض من السقوط وكأن الجاذبية لم تمسّك.
أن تحوّل الكسور إلى أجنحة.
أن تحفر اسمك على صخرة القدر ولو بظفرٍ مدمّى.
أن تكذّب الواقع حين يقسم أنك انتهيت، وتقول له بلؤم المتمردين:
“أنا من يقرر النهاية… لا أنت.”
كل الذين صنعوا أسماءهم ان صخر الزمن لم يولدوا مع التيار، بل سبحوا عكسه.
سُجن نابليون، نُفي، حورب، لكنه عاد… لأن الحطب حين يُغرق بالنار يزداد اشتعالًا.
هيلين كيلر خُلقت بلا عينين ولا أذنين، لكنها امتلكت بصيرة تهزم الظلام.
طه حسين، ذاك الذي لم يرَ النور، صار هو نفسه نورًا يفتح الطرقات للأمم.
موهبة التحدي ليست أن تنتصر… بل أن تبقى واقفًا فيما ينهار حولك كل شيء.
أن تجرؤ على أن تكون نفسك حين يريد العالم أن يصنع منك نسخةً تليق بضعفه.
أن تصمد أمام من يتقنون القمع بنظرة، والصمت بحكم، والكلمة كسياط.
وكم من امرأة في هذا الشرق خاطبت القيود كأنها تتحدّى الليل:
“اقطفوا عني ما شئتم… سيبقى في داخلي امرأة لا تنحني.”
وكم من معلم خُنق صوته، فربّى أجيالًا بأفعاله!
وكم من شاب سخروا من حلمه، فبنى واقعًا يتمنى الساخرون لو كانوا جزءًا منه!
هؤلاء هم الذين امتلكوا المفتاح السري للبعث:
لا شيء يكسرهم… لأنهم حين يُكسرون يُعاد تشكيلهم بصورة أجمل، وأقوى، وأعلى من جميع الظلال.
نعم… ليس كل ما يُكسر يُرمى.
فأحيانًا تصنع الشقوق في أرواحنا أبوابًا للضوء.
وأحيانًا يزرع الوجع فينا عصبًا جديدًا، لا يتعب، لا يهدأ، لا يساوم.
موهبة التحدي ليست رفاهية، بل رسالة سماوية تقول لك كل صباح:
“انهض… فبينك وبين الفجر خيطٌ من الإيمان، لو أمسكت به، أضاء لك الكون.”
وما دام فيك روح تنبض ولو بنصف نبضة…
لا تسمح لأحد أن يكتب نهايتك.
بل كن أنت القلم، والشرارة، والصوت الذي يصدح:
لن أموت في منتصف الطريق… ما دمت خُلقت لأصل.

شارك الخبر
error: !!