الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

متفرقات

بين خوارزميةٍ تُطفأ بكبسة زر وروحٍ لا يملك أمرها إلا خالقها.

بين خوارزميةٍ تُطفأ بكبسة زر وروحٍ لا يملك أمرها إلا خالقها.

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

منذ أن أشعل الإنسان أول شعلة معرفة في ظلام المجهول، وهو يسعى إلى توسيع حدود قدراته، متجاوزًا ما تمنحه له الطبيعة من إمكانات. اخترع الأدوات لتقوية عضلاته، ثم ابتكر الآلات لتخفيف أعبائه، ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل مضى في رحلةٍ طويلة نحو محاولة منح الجماد شيئًا من عقله. ومع كل اكتشاف جديد، كان الإنسان يقترب خطوةً من حلمٍ راوده طويلًا: أن يصنع عقلًا قادرًا على التفكير والتعلّم واتخاذ القرار.
واليوم، يبدو أن هذا الحلم قد أصبح حقيقةً ماثلة أمامنا. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد فكرةٍ علمية أو خيالٍ مستقبلي، بل تحول إلى واقعٍ يطرق أبواب الحياة اليومية بقوة. يكتب النصوص، ويحلل البيانات، ويترجم اللغات، ويقود المركبات، ويشارك في التشخيص الطبي، بل ويُنتج محتوىً يُشبه الإبداع البشري في كثير من الأحيان.
وأمام هذا المشهد المدهش، يقف العالم مأخوذًا بالإنجاز التقني، لكن الانبهار لا يلغي القلق ولا يُسقط الأسئلة الكبرى. فكلما ازدادت قدرة الآلة، ازدادت الحاجة إلى سؤالٍ أعمق: ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟
قد تستطيع الخوارزميات أن تعالج كمًا هائلًا من المعلومات في لحظات، وأن تتعلم من البيانات، وأن تُحاكي أنماط التفكير البشري بدقة مذهلة. لكنها، مهما بلغت من تطور، تبقى أسيرة ما صُممت لأجله. فهي لا تعرف لماذا يحزن الإنسان، ولا لماذا يحب، ولا لماذا يضحي، ولا لماذا يقف أمام الموت مذهولًا باحثًا عن معنى.
إنها تتعامل مع “كيف يحدث الشيء”، أما الإنسان فيعيش سؤال “لماذا يحدث؟”.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الذكاء والحياة، بين المعالجة والشعور، بين المحاكاة والوجود الحقيقي. فالإنسان ليس مجرد عقلٍ يحسب، بل كيانٌ متكامل يجمع بين العقل والقلب والروح. هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يحوّل الألم إلى معنى، والفقد إلى صبر، والانكسار إلى بداية جديدة.
الخوارزمية قد تكتب عن الحب، لكنها لا تحب. وقد تصف الحزن، لكنها لا تبكي. وقد ترسم مشاهد الفرح، لكنها لا تفرح. وبينما تتقن الآلة إنتاج اللغة، يبقى الإنسان وحده القادر على عيش المعنى خلف الكلمات.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس في ما تصنعه الآلة، بل في ما ينساه الإنسان عن نفسه. فكلما تقدمت التكنولوجيا، ازداد خطر أن يُختزل الإنسان في أرقام وكفاءة وإنتاج، بينما جوهره أعمق بكثير من ذلك.
لقد استطاع الإنسان أن يخلق أنظمة ذكية تتعلم وتتكيف، لكنه لم يستطع أن يخلق وعيًا حيًا، ولا ضميرًا أخلاقيًا، ولا روحًا تشعر وتختار وتؤمن. وما بين ما يصنعه الإنسان وما يخلقه الله تبقى مسافة لا يمكن تجاوزها، لأنها ليست مسافة علم فقط، بل مسافة وجود.
وحين نتأمل هذا التقدم الهائل، ندرك أن قوة الإنسان الحقيقية ليست في منافسة الآلة، بل في امتلاك ما لا يمكن للآلة امتلاكه أصلًا: الرحمة، الضمير، الإيمان، والمعنى.
وفي قلب هذا التأمل، يبرز اليقين بأن الروح الإنسانية ليست مادة قابلة للبرمجة، بل سرٌّ إلهيٌّ خارج حدود الحساب والتجربة.
قال الله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85).
وفي ضوء هذه الحقيقة، يتضح أن كل ما يمكن للآلة أن تبلغه يبقى محدودًا، بينما يظل الإنسان حاملًا في داخله سرًّا يتجاوز المادة والزمن.
وفي نهاية المطاف، قد تنجح الخوارزميات في تقليد العقل البشري، لكنها ستبقى عاجزة عن لمس الروح أو إدراك معناها. وقد تتوقف الآلات بكبسة زر، لكن الإنسان لا يُختزل ولا يُطفأ، لأنه ليس مجرد نظامٍ يعمل، بل وجودٌ له معنى، ورسالة، وغاية.
وهكذا، بين خوارزميةٍ تُطفأ بكبسة زر وروحٍ لا يملك أمرها إلا خالقها، تتجلى حقيقة الإنسان: كائنٌ يحمل في داخله ما لا يمكن نسخه، وما لا يمكن برمجته، وما لا يمكن أن ينتهي بانقطاع الكهرباء… بل يستمر ما دام هناك روحٌ تنبض بمعنى الوجود.

شارك الخبر
error: !!