الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار أمنية

العفو العام بين ضرورات الإقرار وحقوق المتضرّرين .

العفو العام بين ضرورات الإقرار وحقوق المتضرّرين .

كتب الاستاذ والباحث القانوني يوسف حنا الخوري :

يُعدّ العفو العام من أكثر المواضيع القانونيّة والسياسيّة حساسيّة في لبنان، نظراً لإرتباطه المباشر بمفاهيم العدالة والمصالحة والسلم الأهليّ. فالعفو، وإن كان في جوهره إجراءً إستثنائياً تلجأ إليه الدول لمعالجة ظروف سياسيّة أو إجتماعية دقيقة، إلا أنّه يثير دائماً إشكاليّة جوهريّة تتمثل في كيفية التوفيق بين مُقتضيات الإستقرار الوطني وحقوق الضحايا والمتضرّرين. وقد عاد هذا الملف اليوم إلى الواجهة مع تجدّد البحث النيابي في مشروع قانون عفوٍ عامٍ جديد، في ظلّ أزمة إكتظاظ السجون اللبنانيّة، وتعثر المحاكمات، وتفاقم الظروف الإنسانية للموقوفين، الأمر الذي فتح باب النقاش مجدداً حول حدود العفو ومعاييره وآثاره القانونيّة والإجتماعيّة.
من الناحية القانونية، يُعرَّف العفو العام في القانون اللبناني بأنّه قانون يصدر عن السلطة التشريعيّة يؤدي إلى سقوط كل عقوبة أصليّة كانت أو فرعيّة إضافيّة. لكن لا يشمل التدابير الإحترازية والتدابير الإصلاحيّة إلا إذا نص قانون العفو صراحةً على ذلك، وهذا ما نصّت عليه المادة 150 من قانون العقوبات اللبناني (المرسوم الإشتراعي رقم 340 الصادر في 1/3/1943)، وما أكّدته إجتهادات قضائية عديدة إعتبرت أنّ العفو العام يتصل بالنظام العام ويُطبّق تلقائياً بمجرد صدوره.
لم يكن العفو العام أمراً مُستجداً في الحياة السياسيّة اللبنانيّة، بل شكّل جزءاً من المحطات المفصليّة التي مرّ بها لبنان منذ الإستقلال. فقد صدر أول قانون عفو بارز بعد أحداث عام 1958 في عهد الرئيس فؤاد شهاب، حيث مُنح العفو عن الجرائم المرتكبة حتى 15 تشرين الأول من ذلك العام بهدف إحتواء تداعيات الصراع السياسيّ الداخلي وإعادة الإستقرار إلى البلاد. ثم صدر قانون آخر، في عهد الرئيس شارل حلو عام 1969 حمل رقم 8/1969 شمل الجرائم المرتكبة قبل عام 1968، بما فيها الجرائم المرتبطة بتداعيات حرب حزيران 1967. غير أنّ أبرز قوانين العفو في تاريخ لبنان بقي القانون رقم 84/91 الصادر في 26 آب 1991 في عهد الرئيس الياس الهراوي، والذي جاء عقب إنتهاء الحرب الأهليّة اللبنانيّة المُمتدة بين عامي 1975 و1990، حيث شكّل أحد أبرز نتائج مرحلة ما بعد إتفاق الطائف ومحاولة الإنتقال من الحرب إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، قد منح هذا القانون عفواً عن معظم الجرائم المرتكبة بإستثناء بعض الجرائم المُحددة حتى تاريخ 28 آذار 1991. تعرّض هذا القانون لإنتقادات واسعة لأنه تجاهل حقوق آلاف الضحايا والمفقودين والمخطوفين، ولم يُرفق بأي مسار حقيقي للعدالة الإنتقالية أو كشف الحقيقة أو محاسبة المسؤولين عن الإنتهاكات الجسيمة التي شهدتها الحرب الأهليّة في لبنان.
لم ينحصر اللجوء إلى العفو العام في لبنان بمرحلة ما بعد الحرب الأهلية فحسب، بل إستُخدم لاحقاً لمعالجة ملفات محددة ذات طابع سياسي أو أمني أو إجتماعي. ففي عام 1997، صدر قانون عفو خاص بجرائم المخدرات المُرتكبة قبل 31 كانون الأول 1995، في خطوة إعتُبرت سابقة في تاريخ لبنان، لأن قوانين العفو السابقة كانت تستثني هذا النوع من الجرائم الخطيرة. وقد برّرت الدولة هذا القانون حينها بأسباب إجتماعية وإقتصادية مرتبطة بأوضاع بعض المناطق اللبنانيّة، ولا سيّما منطقة البقاع، إلا أنّ القانون أثار أيضاً إعتراضات واسعة بسبب خشية البعض من تشجيع الإفلات من العقاب.
شكّل عام 2005 محطة بارزة في مسار قوانين العفو في لبنان، إذّ إتخذت بعض قرارات العفو آنذاك طابعاً سياسياً واضحاً إرتبط بالتحولات العميقة التي شهدتها البلاد عقب الإنسحاب السوري وإغتيال رئيس الحكومة الأسبق “الشهيد رفيق الحريري”. وقد برز في هذا السياق قانون العفو الذي أتاح الإفراج عن السيد سمير جعجع، إلى جانب إجراءات شملت عدداً من الموقوفين المُرتبطين بأحداث الضنية ومجدل عنجر والقضايا المتفرعة عنها، بإستثناء قضايا التعامل مع إسرائيل، وقضية إغتيال القضاة الأربعة في قصر العدل في صيدا عام 1999، في إطار تسويات داخلية هدفت إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي وإحتواء التوترات القائمة آنذاك. وأظهرت تلك المرحلة بوضوح كيف يمكن لقوانين العفو أن تتحوّل من تدبير قانوني إستثنائي يرمي إلى تحقيق العدالة والمصالحة، إلى أداة تعكس موازين القوى والتفاهمات السياسيّة والطائفيّة، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً حول مدى إنسجام هذه القوانين مع مبادئ المساواة أمام القانون وعدم الإفلات من العقاب.
في عهد الرئيس ميشال سليمان عاد ملف العفو العام إلى صدارة النقاش السياسي والقانونيّ، في ظلّ تصاعد المطالب المُرتبطة بملف الموقوفين الإسلاميين وتداعيات أحداث مخيم نهر البارد وغيرها من القضايا الأمنيّة الحساسة. وقد طُرحت خلال تلك المرحلة عدة مشاريع للعفو، إلا أنّها لم تُبصر النور نتيجة الإنقسامات السياسيّة والطائفية الحادة حول نطاق الجرائم المشمولة بالعفو وحدود الإستثناءات الواجب إعتمادها، ولا سيّما في ما يتصل بالجرائم المرتبطة بالإرهاب والإعتداء على عناصر المؤسسة العسكرية وأمن الدولة. وعكست تلك التجاذبات مدى تعقيد التوفيق بين الإعتبارات الإنسانيّة والسياسيّة من جهة، ومتطلبات العدالة وحماية السلم الأهلي من جهة أخرى، الأمر الذي حال دون التوصل إلى صيغة توافقية تتيح إقرار قانون عفو يحظى بإجماع وطني واسع.
أمّا خلال عهد الرئيس ميشال عون، برز ملف العفو العام مجدداً ليشكّل محوراً أساسياً في النقاشات السياسيّة والتشريعيّة، ولا سيّما بين عامي 2017 و2020، في ظلّ تفاقم أزمة السجون اللبنانيّة وتزايد المطالب بإيجاد معالجات إستثنائية لبعض الملفات القضائيّة والأمنيّة. وقد طُرحت آنذاك مشاريع متعددة للعفو شملت إقتراحات تتعلّق بتخفيف الإكتظاظ داخل السجون، ومعالجة أوضاع الموقوفين الإسلاميين، وبعض جرائم المخدرات والجرائم الماليّة، بإعتبار أنّ الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة والإنسانيّة تستوجب مقاربة أكثر مرونة. غير أنّ هذه المشاريع إصطدمت بإنقسامات سياسيّة وطائفيّة حادة، إلى جانب إعتراضات شعبية واسعة، ولا سيّما من أهالي العسكريين والضحايا الذين إعتبروا أنّ التوسّع في العفو قد يمسّ بمفهوم العدالة. وفي ظلّ تعذّر التوصل إلى توافق وطني حول طبيعة الجرائم المشمولة بالعفو وحدود الإستثناءات الواجب إعتمادها، سقط مشروع القانون في الجلسة النيابية المنعقدة عام 2020، ليبقى ملف العفو العام مُعلّقاً بين ضرورات المعالجة الإنسانية ومتطلبات العدالة وسيادة القانون.
أما اليوم، يتكرّر الجدل نفسه مع طرح مشروع عفوٍ عامٍ جديد في لبنان، إذّ يرى المؤيّدون أنّ الظروف الإستثنائية التي تمر بها البلاد تستوجب حلولاً إستثنائية، خصوصاً في ظلّ الإكتظاظ الكبير داخل السجون اللبنانيّة، وبقاء عدد كبير من الموقوفين سنوات طويلة من دون محاكمات سريعة، فضلاً عن الإنهيار الإقتصادي الذي أثّر على الواقع القضائيّ والسجنيّ. كما يَعتبر البعض أنّ العفو قد يشكّل فرصة لإعادة دمج بعض السجناء في المجتمع والتخفيف من الأعباء الإنسانيّة والإجتماعية المتفاقمة.
في المقابل، يرفض كثيرون التوسّع في العفو العام، مُعتبرين أنّ التجارب السابقة في لبنان أثبتت أنّ العفو غير المدروس قد يؤدي إلى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب وإضعاف ثقة المواطنين بالقضاء والدولة. فالمتضرّرون من الجرائم، ولا سيّما أهالي الضحايا تحديداً شهداء المؤسسة العسكريّة والمؤسسات الأمنيّة، يرون أنّ أي عفو لا يراعي حقوقهم ولا يضمن التعويض أو الإعتراف بالحقيقة يشكّل إنتقاصاً من العدالة ومساواةً غير عادلة بين الجاني والضحيّة. كما يخشى معارضو العفو من أن يتحوّل مجدداً إلى “صفقة سياسية” تُستخدم لتحقيق مكاسب إنتخابية أو طائفية بعيداً عن الإعتبارات القانونيّة والإنسانيّة الحقيقية.
ومن هنا، تبدو الحاجة مُلحّة اليوم إلى مقاربة قانونيّة مُتوازنة تجعل من العفو العام وسيلة للإصلاح والمصالحة لا أداة لتبييض الجرائم أو تجاوز حقوق الضحايا. فالعفو الذي يمكن أن يساهم فعلاً في تعزيز الإستقرار يجب أن يقوم على معايير واضحة تستثني الجرائم الخطيرة والإنتهاكات الجسيمة والفساد والجرائم المرتبطة بالإرهاب والقتل العمد، وأن يترافق مع إصلاح قضائي فعليّ يسرّع المحاكمات ويضمن حقوق المُتضرّرين في التعويض وكشف الحقيقة. فالعدالة لا تتحقق فقط بالعقوبة، كما أنّ المصالحة الحقيقية لا تُبنى على النسيان القسريّ، بل على الإعتراف بالضحايا وصون كرامتهم وترسيخ مبدأ سيادة القانون.

شارك الخبر
error: !!