الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

أخبار سياسية - محلية وعالمية

حين تتحوّل الطوائف إلى جدران: مرثيّة وطنٍ يُمزّقه الصدى.

حين تتحوّل الطوائف إلى جدران: مرثيّة وطنٍ يُمزّقه الصدى.

الكاتبة والمربية: فاطمة يوسف بصل

ما أقسى أن يتحوّل الوطن من حضنٍ يجمع أبناءه إلى جدرانٍ تفصل بين قلوبهم!
لم تكن الطوائف يومًا خنادق، بل كانت نوافذ تُطلّ منها الروح على تنوّعها الجميل. لكنّ الريح، حين تهبّ مثقلة بالمصالح، تُطفئ القناديل وتتركنا في عتمة الانقسام. في لبنان، لم يعد الاختلاف نشيدًا، بل صار صدىً متكسّرًا يرتطم بجدران الخوف، حتى خُيِّل لكلّ جدارٍ أنّه الوطن.
هنا، حيث تختلط الذاكرة بالوجع، لم تعد النعرات الطائفية كلماتٍ عابرة، بل نبضًا خفيًا يتسرّب إلى العروق. تكفي جملةٌ عابرة، أو خبرٌ منحاز، أو شاشةٌ مشحونة، حتى يتضخّم الشرخ ويعيد رسم الحدود داخل النفوس قبل الخرائط.
ثم جاءت حرب 2026، لا كحدثٍ سياسي، بل كمرآةٍ قاسية كشفت ما كان مستورًا. لم تكن الصواريخ وحدها ما مزّق السماء، بل الكلمات أيضًا. انقسم الصوت اللبناني إلى اثنين:
صوتٍ يهمس: “هذه الحرب ليست لنا”،
وصوتٍ يصرخ: “ومن لا يقف معنا فهو ضدّنا”.
وبين الهمس والصراخ، ضاع الوطن وتفتّت إلى روايات متنازعة.
في لحظات القصف، لم يكن الألم واحدًا كما يجب أن يكون. صار يُقاس بالانتماء، ويُفلتر بالهوية. تعاطفٌ هنا، تردّدٌ هناك، وتنصّلٌ صامت في الزوايا، وكأنّ الدم يحتاج إلى تعريفٍ طائفي كي يُعترف به. أيّ انحدارٍ هذا الذي يجعل الوجع مُجزّأ؟
وعلى شاشات الهواتف، تحوّلت الكلمات إلى شظايا. تعليقاتٌ كالرصاص، وشائعاتٌ كالدخان، وخوفٌ يتسرّب بلا ضجيج. لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟ بل: لمن يحدث؟ وكأنّ الوطن لم يعد واحدًا، بل حصصًا من الألم تُوزّع على الهويات.
وفي زحمة الحرب، لا تأتي الخسارة من الخارج فقط. أحيانًا، يكون الجرح الداخلي أعمق من القصف نفسه. تتناسل الشكوك، تُنسج الروايات، ويكبر الظنّ حتى يطغى على الحقيقة.
وفي مدينة النبطية، حيث سقط الشهداء تحت صاروخٍ غادر، لم يكن الحزن وحده حاضرًا، بل تسلّل إليه سؤالٌ مُرّ: هل كنا وحدنا في المواجهة؟
سؤالٌ لم يطعن الأجساد فقط، بل مسّ الثقة، وفتح بابًا خطيرًا: أن يتحوّل الداخل إلى مصدر قلق، لا إلى سند.
وحين يتقدّم الشكّ، تبدأ الروابط بالتآكل. فأسوأ ما تصنعه الانقسامات، ليس أنها تُفرّق الناس، بل أنها تجعلهم يشكّون ببعضهم حتى في لحظات الموت.
وفي العتمة، تنمو الهواجس. تُقال نصف حقائق، وتُخفى نصفها الآخر، فتولد رواياتٌ لا تُشبه الحقيقة ولا تكذب بالكامل، لكنها تكفي لهدم ما تبقّى من يقين.
وهكذا، لم تعد الطائفية مجرّد انقسامٍ على الأرض، بل أصبحت طريقة رؤية، عدسةً مكسورة نرى عبرها بعضنا مشوّهين. وحين يتحوّل الانتماء إلى قيد، والحقيقة إلى وجهة نظر، يفقد الوطن ملامحه، ويصبح فكرةً مؤجّلة.
ومع ذلك…
ورغم هذا الركام كلّه، لا يزال في هذا البلد ما يقاوم. خيطُ ضوءٍ يتسرّب من الشقوق. شبابٌ يحلمون بوطنٍ لا يُسأل فيه الإنسان: من أيّ طائفة أنت؟ بل: ماذا تستطيع أن تمنح لهذا الوطن؟
تذكّروا أن لبنان لا يُحفظ بالانقسام بل بالاحتضان، ولا يُبنى بالخصومة بل بالمحبة. كونوا متضامنين على أساس المحبة قبل أي شيء آخر، فهي وحدها القادرة أن تجمع ما فرّقته الأيام. وعيشوا حياةً مشتركة تقوم على التعاون والتفاهم، تُفضي إلى رقيّ الوطن وازدهاره، وتُبعد عنّه شبح الحرب، ليبقى وطنًا للحياة لا ساحةً للوجع.
فلبنان، مهما تكسّر، لا يموت دفعةً واحدة… بل ينتظر من يُعيد جمعه، لا كطوائف متجاورة، بل كقلبٍ واحدٍ يتّسع للجميع.

شارك الخبر
error: !!