هل لبنان غزّة الثانية؟!
بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل .
“أخطر ما في الألم… أن يتحوّل إلى عادة.”
أيُّ وجعٍ هذا الذي يتسلّل إلى صدورنا كلّما اشتعلت السماء؟
وأيُّ خوفٍ هذا الذي يجعلنا نعدّ الأيام بعدد الغارات، لا بعدد الساعات؟
حين يُطرح السؤال: هل لبنان غزّة الثانية؟ لا يكون مجرّد مقارنة… بل صرخةً تختنق في الحناجر، ودمعةً تخاف أن تسقط؛ لأنّها تعرف أنّ ما بعدها ليس كالسابق، وأنّ ما يُكسر في الداخل لا يُرمَّم بسهولة.
في لبنان، لم يعد الخوف زائرًا عابرًا… صار مقيمًا لا يغادر.
يتسلّل إلى تفاصيلنا الصغيرة، إلى أحاديثنا اليومية، وإلى صمتنا الطويل.
بيوتٌ تُطفئ أنوارها باكرًا، لا لتنام، بل لتنتظر… تنتظر خبرًا، اتصالًا، أو حتى نجاةً مؤجّلة.
أمّهاتٌ يضممن أبناءهنّ كأنّهنّ يخبئنهم من القدر،
وأطفالٌ تعلّموا أن يميّزوا بين صوت الطائرة وصوت الرعد… لكنّهم لم يتعلّموا بعد لماذا يُقصف الحلم قبل أن يكبر.
وفي النبطية… عند مفترقٍ كان طريقًا إلى العمل والحياة، توقّف الزمن فجأة.
أحد عشر شابًا من عناصر أمن الدولة، خرجوا صباحًا بلباسهم الرسمي، يحملون واجبهم وكرامتهم، ولم يكونوا يعلمون أنّ الطريق نفسه سيغدو نهاية الحكاية.
غارةٌ واحدة… كانت كفيلة بأن تُطفئ أحد عشر قلبًا، وأن تفتح في المقابل أحد عشر بيتًا على وجعٍ لا يُحتمل.
هناك… حيث لا تصل الكاميرات كما يجب، تبدأ الحكاية الحقيقية:
أمٌّ كانت تنتظر عودة ابنها لتسأله إن تناول طعامه… فإذا بها تتلقّى خبرًا يسرق صوتها.
أمٌّ كانت تفخر به، فإذا بها تُفجَع به شهيدًا.
أمٌّ لم تكن تخاف عليه لأنه يحمل السلاح… بل لأنه يحمل قلبها معه أينما ذهب.
في تلك البيوت، لا يُسمع إلا صدى الغياب…
صورٌ تُعانقها الأيادي بدل الوجوه،
أسماءٌ تُنادى ولا يأتيها جواب،
ودموعٌ تسقط بصمتٍ؛ لأنّ الصوت خذلها من شدّة الألم.
وما يشبه غزّة ليس فقط الدمار…
بل هذا الإحساس القاسي بأنّ الإنسان صار خبرًا عاجلًا، وأنّ الوجع يُقاس بعدد الشهداء، لا بعمق الفاجعة.
أن تتحوّل الحياة إلى انتظار، والفقد إلى عادة، وأن تعتاد القلوب ما لا يجب أن يُعتاد.
لبنان اليوم يقف على حافة السؤال:
هل يبقى وطنًا يُحاول أن ينهض رغم كلّ شيء؟
أم ينزلق إلى هاويةٍ تشبه حكايات الألم التي لا تنتهي؟
ليس الخطر في أن نُشبَّه بغيرنا…
بل في أن نعتاد الألم حتى نصبح نسخةً منه، وأن نقبل بما لا يُقبل، ونؤجّل الدموع كأنّها تفصيل.
لكنّ الحقيقة التي لا يجب أن تُنسى:
لبنان ليس رقمًا في نشرة أخبار، ولا ساحةً تُستباح…
لبنان هو تلك الأم التي انكسر قلبها عند مفترق طريق،
هو تلك الدمعة التي لم تجد من يمسحها،
هو ذلك الصوت الذي ينادي… ولا يُجاب.
في الختام، لم يعد السؤال: هل لبنان غزّة الثانية؟
بل: كم أمًّا بعد ستفقد ابنها قبل أن نستيقظ؟
وكم مفترقًا بعد سيتحوّل من طريقٍ للحياة… إلى ذاكرةٍ للموت؟
وهل سنبقى ننتظر دورنا في الحزن…
أم سنحاول أن نُنقذ ما تبقّى منّا قبل أن نصبح مجرّد حكاية تُروى؟
هنا يبدأ الخوف الحقيقي…
لكن هنا أيضًا،
حيث لا يزال في القلب نبضٌ،
يمكن أن يبدأ الأمل… إن اخترنا ألّا نعتاد الألم.

