الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

متفرقات

لن يعودوا… كي لا ينكسر الوطن.

لن يعودوا… كي لا ينكسر الوطن.

بقلم الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل.

ليسوا مجرد أسماء مرّت في زمن الحرب، بل هم الذين كُتبوا بالوجع على حدود هذا الوطن.
حين انحنى العالم تحت ثقل الخوف، وقفوا هم كأنهم آخر ما تبقّى من معنى الثبات.
وحين صار الفرار خيارًا سهلًا ومتاحًا، اختاروا طريقًا واحدًا لا عودة فيه… طريقًا يُكتب بالدم ولا يُمحى بالصمت.
لم يكونوا ظلًا عابرًا في مشهدٍ سريع، بل كانوا الجذر حين اقتُلعت الأرض من تحت الجميع، وكانوا الفعل حين تردّد الآخرون، وكانوا الصوت حين خنق الخوف كل الأصوات.
إنهم الذين فهموا باكرًا أن هناك لحظات في التاريخ لا تحتمل الحياد، وأن هناك أوطانًا لا تُصان إلا بأرواحٍ تعرف أن العودة ليست حقًا دائمًا… بل تضحية كاملة.
ليسوا عابرين في ذاكرة وطن، ولا أسماء تُذكر ثم تُطوى، بل هم أولئك الذين حين اهتزّ العالم من حولهم ثبتوا، وحين اختار الجميع النجاة، اختاروا أن يكونوا في قلب الخطر، وحين بدا التراجع الطريق الأسهل، مضوا نحو طريقٍ لا عودة منه. ليسوا من يُقاس حضورهم بما عاشوه، بل بما تركوه حين غابوا.
هم الذين أدركوا، في لحظةٍ فارقة، أن بعض الطرق لا تُسلك لإنقاذ الذات، بل لحماية الآخرين. ومن عمق تلك اللحظة التي تنكسر فيها الحسابات، اتخذوا القرار الأصعب: أن يمضوا دون ضمان، وأن يختفوا من المشهد كي لا يختفي الوطن.
المقاومون ليسوا مجرد أسماء تُروى، بل هم معنى الثبات حين تتكاثر العواصف، وصوت الحقيقة حين يحاول الصمت أن يعلو، ووجودٌ يثبت أن الإنسان قادر على تجاوز خوفه حين يؤمن بما هو أكبر منه. كانوا بشرًا يحملون أحلامًا بسيطة وقلوبًا متعلقة بالحياة، لكنهم فهموا أن الوطن لا يُصان بالانتظار، بل بالفعل، وأن البقاء نفسه أحيانًا يحتاج إلى من يدفع ثمنه.
تركوا خلفهم دفء البيوت، وصوت الأمهات، وتفاصيل الحياة التي يعشقها القلب، ومضوا نحو المجهول لا لأنهم أحبّوا الرحيل، بل لأنهم أحبّوا أن يبقى غيرهم. وفي لحظات العاصفة، لم يتراجعوا، بل ازدادوا ثباتًا، كأنهم جذورٌ تغوص أعمق كلما اشتدّت الريح.
وفي القرى التي لامست خطوط المواجهة، كان وجودهم إعلانًا صامتًا بأن هناك من يختار البقاء حين يصبح البقاء نفسه عبئًا، لكنه عبء يتحوّل إلى معنى. لم يكونوا مجرد حضور في الميدان، بل فكرة مستمرة بأن الكرامة لا تُترك، وأن الأرض تُحفظ بمن يثبت فيها.
وفي تفاصيل المواجهة، لم يكن دورهم مجرد قتال، بل كان صمودًا يحمي من خلفهم، وثباتًا يخفّف ثقل اللحظة عن الآخرين. بقوا حيث كان يمكن الرحيل، واختاروا أن يتحمّلوا ما لا يُحتمل أحيانًا، كي تستمر حياة غيرهم ولو بأبسط أشكال الأمان.
لم يتركوا وراءهم ذكرى فقط، بل تركوا أثرًا يتحوّل إلى حياة، وصدىً يبقى في كل موقف صمود، وفي كل لحظة يرفض فيها الإنسان أن ينكسر. صاروا فينا، لا يغيبون، لأن الغياب عندهم لم يكن نهاية، بل بداية معنى جديد للحضور.
وإذا جاء يومٌ نعود فيه إلى بيوتنا، وإلى طرقاتنا، وإلى وطنٍ يشبه ما حلمنا به، فلن يكون ذلك لأن الطريق كان سهلًا، ولا لأن الزمن أنصفنا، بل لأن هناك من وقف عند حدود الغياب واختار ألا يعود كي لا ينكسر الوطن.
لكن الحقيقة التي تبقى في القلب أن بعضهم لن يسمع لحظة عودتنا، ولن يرى الطريق الذي فُتح لنا بغيابهم. سنمشي في وطنٍ صار ممكنًا بغيابهم، وننادي أسماءهم في صمتٍ لا يجيب، ونشعر أن كل خطوة نحو الحياة كانت بقدر ما ابتعدوا هم عنا.
أولئك لم يرحلوا فقط، بل تركوا فينا فراغًا لا يُملأ، ووجعًا هادئًا لا يزول، ووصية غير مكتوبة تقول إن ما نعيشه اليوم… دُفع ثمنه من قلوبٍ قررت أن تغيب كي نبقى. فنمشي، ونحن نعرف أن كل عودةٍ لنا كانت بقدر غيابهم.
لن يعودوا… لأن الوطن حين ينجو، لا يعود الجميع.
هناك من اختار أن يكون خطّ الرجعة الأخير، وأن يغلق باب الانكسار بوجه الريح، وأن يدفع من روحه ثمن بقاء الآخرين.
سنمشي في هذا الوطن، لكننا لن نمشي وحدنا؛ سنمشي وفي أعماقنا أسماء لا تغيب، ووجوه لم تكتمل عودتها، وأصوات بقيت معلّقة عند حدود التضحية.
وحين يهدأ كل شيء، لن نحتفل فقط بالحياة… بل سنفهم أن الحياة نفسها كانت ممكنة لأن هناك من قرر ألا يعيش كي نعيش نحن.
لم يرحلوا عن الأرض، بل صاروا ثباتها.
لم يغيبوا عن الوطن، بل صار الوطن يبدأ منهم وينتهي إليهم.
فنمضي… لكننا نعلم الحقيقة التي لا تُقال بصوتٍ عالٍ:
كل ما نملكه اليوم… وُلد من غيابهم،
وكل خطوة نخطوها… كانت لهم أولًا، ولنا لاحقًا.

شارك الخبر
error: !!