لبنان بين شذوذ السلطة ونفوذ أمريكا
بقلم: د. محمد هزيمة
كاتب سياسي، باحث استراتيجي، مستشار بالعلاقات الدولية
دخل لبنان منعطفًا هو الأخطر في حياته التي لم تكن يومًا مستقرة كما هي الدول منذ تأسيس الكيان وإنشاء دولة لبنان الكبير، وترسيم حدوده بريشة سايكس بيكو وفق تقويم مصالح الغرب وتقاسم تركة السلطنة العثمانيةبعدما أُضيف الأقضية الأربعة لمتصرفية جبل لبنان ليكون كيانًا قابلًا للحياة يؤمّن مصالح الغرب اولا من حصة فرنسا، سلطة الانتداب التي غادر آخر جنودها بعد الاستقلال، تاركا امتيازات مبنية على نظام فرز عنصري بمعايير مذهبية طائفية، وحصة راجحة مُنحت للمسيحيين على حساب المكونات، يرعاها دستور اعطى الموارنة نفوذًا أقرب إلى التسلّط تسبب بحرب أهلية سبقتها ثورات واعتراضات قُمعت في مهدها، لكن جمرها بقي تحت الرماد.
حرّكتها العواصف في منطقة تقع تحت تأثير زلزال إسرائيل، الكيان الصهيوني بحدوده التوسعية بعدما احتل أرض فلسطين واضعًا المنطقة العربية على فالق زلزالي تتحرك صفائحه السياسية والعسكرية طبقًا لإرادة حكومة العدو ومشروعها التوراتي “إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل وما بين الأرز والنخيل”، وفق عقيدة تلمودية شكّلت أساس الوطن القومي لجمع شتات اليهود الذين أُحضروا قطعان مستوطنين، طُردوا أصحاب الأرض الفلسطينيون بدعم غربي وصمت دولي ورعاية مباشرة من أمريكا تكفّلت المنظمة اليهودية بدور كبير على المستوى السياسي العالمي، تمويل أحزابًا سياسية في بلدان أوروبية تدعم سياستها، ابرزهم الفالنج في فرنسا وفرعه في لبنان “الكتائب” حزب اليمين المسيحي ومنه انبثقت ميليشيا “القوات اللبنانية” جناحًا عسكريًا خاضت الحرب الأهلية بعد فترة من الإعداد والتدريب لكوادرها عند الكيان الإسرائيلي منذ سبعينيات القرن الماضي علاقة تفاخر الطرفان بها وشاركت مع أحزاب اليمين بخلفيتها المسيحية عسكريا بالاجتياح الإسرائيلي للبنان إلى جانب جيش العدو واتُّهمت بالمشاركة في مجازر صبرا وشاتيلا، إضافة إلى سجلها الحافل من إهدن حتى الناعمة، مرورًا بالصفرا وصبرا وتل الزعتر، وصولًا إلى الشوف وجزين، دون أن تغيب عين الرمانة، وبوسطها التي كانت شرارة الحرب الأهلية المباشرة مع القوى الوطنية، والتي فشل الإسرائيلي في القضاء عليها رغم دخوله العاصمة بيروت وتدمير ضاحيتها الجنوبية ، وإيصال بشير الجميل بالدبابة الإسرائيلية إلى أسوار بعبدا واتبعه بأمين الجميل الذي وقّع اتفاق السابع عشر من أيار للسلام مع العدو الإسرائيلي، قبل ان يسقط الاتفاق بثورة السادس من شباط التي أسقطت أمين الجميل قبل نهاية عهده، وانهار معه مشروع اليمين وحلم صهينة لبنان، لتتكرّس هويته العربية منذ اتفاق الطائف بعد دفن جزءًا من امتيازات أودعها الاستعمار وتحولت عبئًا على الوطن قاطعة طريق مشروع بناء الدولة القوية، معتمدة ثابتة “قوة لبنان في ضعفه” على حساب سيادته الوطنية وقراره المنتمي لمحيطه العربي، والتزام ثوابت الأمة، بمقدمها القضية الفلسطينية ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي واستكمال تحرير أرض الجنوب.
مدعومًا بالقرارين الأمميين 425 و426، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وفق القرار الدولي 242، والتمسك بحق لبنان بكامل أراضيه ورفض كل أشكال التوطين، ثوابت وطنية التزمها الدستور وفق ميثاق العيش المشترك، مادة أساسية تسقط كل ما يناقض مضمونها تحت سقف الدستور الذي يقسم عليه رئيس الجمهورية ان يسهر على تطبيق القانون وحفظ النظام في دولة المؤسسات وتكامل السلطات بنظام برلماني مرجعيته الدستور.
الذي نظّم علاقات لبنان مع الخارج والداخل بمرجعية الدستور حصرا لمصلحة الشعب وفق أعراف وضوابط، الخلل فيها يسقط النظام ولا تبقى منظومة حكم، فينزلق الوطن باتجاه مجهول في محيط عاصف بصراع أكبر من حجم لبنان، المهدد بكيانه ووجوده قبل أرضه وشعبه، من المشروع الأمريكي للشرق الأوسط المرتكز على إسرائيل الكبرى، إضافةً لرغبة الرئيس الأمريكي إلحاق لبنان بسوريا التي رماها بيد الإرهاب ودفن فيها مشروع الدولة بالتوازي مع حديث أمريكي اخر عن انتهاء صلاحية سايكس بيكو، وإعادة رسم خرائط المنطقة على أنقاض جسد الوطن اللبناني الذي يريده العدو الإسرائيلي ممرًا باتجاه العمق العربي، في اللحظة التي يقضي فيها على المقاومة التي استعادت الردع بالميدان بعد فترة طويلة سلمت فيها للدولة اللبنانية مهمة حماية الوطن، فكان الثمن آلاف الاعتداءات ومئات الشهداء بظل صمت دولي وعجز حكومي وصل حد التواطؤ والإذعان لمطالب العدو
وتقاسم الأدوار بين الأمريكي والإسرائيلي، ورغبة اليمين( اللبناني) الذين أعادهم الأمريكي إلى السلطة بحصة وازنة داخل الحكومة، متجاوزًا نتائج الانتخابات البرلمانية وحجم تمثيل القوى والأعراف المتبعة في اتخاذ القرارات الحكومية، التي أسقطتها عن دورها وحولتها سلطة تراكم الخطايا تعمل بإملاءات أمريكية هدفها أمن إسرائيل على حساب الداخل اللبناني، بما فيه الدستور الذي عُلّق على خشبة المشروع الأمريكي ومعه انتهك البيان الوزاري وانتهت مفاعيل خطاب القسم لفخامة رئيس الجمهورية الذي اعتُبر خارطة طريق أجمع عليها اللبنانيون، ليكتشفوا أنهم أمام انقلاب يرعاه الأمريكي يتقاطع مع الإسرائيلي، دستوره مستمد من معراب بفكرها الانعزالي، ورئيس حكومة لم يرَ عقبة في العدوان بل في سلاح يحمي الوطن، ورأس دبلوماسية ممهور بميليشيا عدوانية سيطرت على قرار الحكومة دمغته بعنصريتها لتكمل انقلابًا انتقل لرأس الدولة وانغماسه بالمشروع الأمريكي، متجاهلًا الدستور الذي أقسم عليه وخطابه لم يكن سوى مرحلة انتهت أمام جموح بالحكم ورغبة باستعادة امتيازات أودعها الاستعمار وربما هب الفرصة الوحيدة التي تعيدها على حساب الوطن ولو على جثة شعب وأشلاء مقاومة لا تزال تسطر ملاحم في الميدان ولم يعيقها تنظيف الجنوب من الثبات والانتصار فهم أبناء الأرض يفاوضون المحتل باللغة التي يفهمها ويحترمها، وليس بالاستجداء ولهم شرف المواجهة والتضحية، وليس تقاطع المصالح لعودة امتيازات لن يعيدها عدو راغب بالوطن كله وإن كانت أولويته المقاومة ومجتمها الصامد الذي
انتصرت إرادة الصمود عنده على إدارة التوحش تحدّت حرب الإبادة التي لن ينهيها هدايا تُقدَّم للعدو، يحتاجها نتنياهو طوق نجاة على شكل مفاوضات مباشرة فيها انتهاك للدستور…في وطن ليس نموذجًا مختلفًا عن العالم، يخضع التفاوض بين الأعداء لآليات معروفة تبدأ:
بوسيط ينقل الرسائل أو بواسطة منظمات دولية وربما دول، ليتحول بعدها إلى وسيط خاص ينقل رسائل بين الطرفين بهدف:
أ- وقف إطلاق النار
ب- هدنة إنسانية وإدخال مساعدات
ج- تأمين طرق للمدنيين
بالتوازي مع خلق أرضية لأسس التفاوض ترسم إطارًا مبنيًا على نقاط محددة تقرّر مستوى التفاوض وحجم الهوامش التي تؤسس أرضية تنقل الاشتباك من حالة التوتر إلى حال استقرار تحت النار بضوابط تحمي الأطراف تضمن سلامة المدنيين، تشكل أساسًا للمرحلة المقبلة تحت سقف احترام سيادة الدول وقوانينها….. احيانا تحتاج تعديلًا على مستوى الدستور والقوانين المانعة كما هي الحالة في لبنان:
– وقف إطلاق نار كامل
– انسحاب أولي من المناطق السكنية بما يسمح عودة السكان
عودة مؤسسات الدولة الخدمية والإدارية.
قبل الانتقال إلى مرحلة تبدأ المرحلة الثالثة: بالتفاوض غير المباشر وفق بنود محددة تكون ملزمة للطرفين تشكل أساس أي تفاهم وحدوده تفضي لرسم حدود العلاقة بين الأطراف بما لا تتجاوز حدود السيادة الوطنية أو تشكل انتهاكًا للدستور الوطني
لتبقى الحقيقة ان لبنان محكوم بميثاقية ونظام طائفي ضمن تركيبة قلقة منذ الاستقلال بحتاج توافقًا وإجماعًا، وأي خروج عن تلك الشروط يعتبر مساس يلغي الصيغة وينقل الحرب إلى الداخل، ولا تزال تجربة السابع عشر من أيار ماثلة أمامنا كيف أسقطت اليمين بمغامرة خسر المسيحيون فيها:
– جزءًا كبيرًا من امتيازاتهم
– تقوقع انتشارهم وتراجع وجودهم الديمغرافي
ما انعكس خللًا داخليًا تحول اضطرابًا امام عواصف التغيير التي ضربت المنطقة على حساب استقرار لبنان الذي يعيش فصول مغامرة تعيد استنساخ تجربة السادات بشكل يشبه السابع عشر من ايار ولو تغيرت الظروف معتمدًا على انخراك الأمريكي وحاجة إسرائيل لاستعادة دورها الذي عجز الأمريكي عينه عن إعادته برغم تورطه مباشرة بالحرب على أكثر من جبهة بمحصل يراكم الفشل نتيجة عجز كامل عن تحقيق أي من أهدافه البعيدة المدى أو المرحلية والتي أفقدت أمريكا الكثير من دورها وقدرة التاثير حتى على أقرب حلفائها، بالتوازي مع خسارة عسكرية في الميدان وانكشاف الكيان وسقوط قوة الردع الصاروخي وانهيار مظلة الدفاع الجوي، قبل الحديث عن مضيق هرمز ودخول باب المندب على الخط ، وتحول لبنان بندًا أساسيًا على ورقة التفاوض في مرحلة تغيير توازنات الشرق الأوسط، بمدى تأثير يهز اقتصاديات العالم امام حاجة الأسواق للنفط، والأهم الرغبة الدولية بفرملة اندفاعة ترامب وكبح جماح نتنياهو حتى على مستوى الداخل الأمريكي.

