الإخبارية اللبنانية

أخبار لبنان والعالم

لإعلاناتكم التواصل
معنا على الرقم
03109558

متفرقات

حين يتحول الزمن إلى سلاح: تأملات في أسطورة هرمز والنور

حين يتحول الزمن إلى سلاح: تأملات في أسطورة هرمز والنور

 

كتب الد. احمد صالح .

المضيق المائي هرمز، أو الشخص نفسه هرمز، كان في الأصل «هورماز»، وهو اختصار لـ«أهورا مزدا»، اسم الخالق في الديانة الزرادشتية، ديانة بلاد فارس القديمة. في الأساطير الإيرانية القديمة، كان هورماز، الخالق، رمزًا لكل ما هو خير، وكان له عدوٌّ لدود يُدعى أهرمان، وهو رمز كل ما هو شر، الشيطان نفسه.
كان هورماز يعيش في نورٍ مطلق، بينما كان أهرمان يعيش في ظلامٍ أبدي. وبما أن هورماز كليّ المعرفة، فقد كان يعلم بوجود الشيطان، أما أهرمان فقد تعرّف على وجود النور يومًا ما عندما صادفه. ومن شدة الحسد، خلق أهرمان الشياطين وأرسلهم لشنّ هجوم على النور.
هورماز، الذي كان يعلم كيف ستنتهي هذه الحرب ويريد تجنّب الاختلاط بالشيطان، عرض السلام. لكن أهرمان اعتبر ذلك علامة ضعف ورفض العرض. عندها، وبحكمته الأزلية، خلق هورماز الزمن، لأنه فقط من خلال الزمن يمكن لأهرمان، أو الشيطان، أن يلقى هلاكه في الحرب التي أشعلها ضد النور. وهكذا تحوّلت حرب الشيطان على النور إلى معركةٍ لها مؤقّت، إذا لم يتمكّن خلالها من القضاء على كل نور في العالم، فإنه سيخسر إلى الأبد.
إن الحكمة القديمة التي أطلقت هذا الاسم على هذا الممرّ التجاري لا بد أنها تأثرت بفكرة استخدام الزمن كأداة لهزيمة الظلام. وهذا يذكّرني بقصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش، حيث يقول: «تحت الحصار، يصبح الزمن مكانًا، متجمّدًا إلى الأبد».
لا بد أن الإيرانيين القدماء كانوا يدركون أنه في الوقت المناسب، سيصبح الممرّ الضيق لمضيق هرمز أداة للسيطرة على نهاية زمن الشيطان. وفي الوقت الحالي، يقوم دونالد ترامب بالمساعدة في تسريع ذلك من خلال محاولته تقليد تكتيك هورماز، لكنه في الوقت نفسه يقع في فخّه.
وكما كتب محمود درويش: «سيستمر الحصار حتى يشعر المُحاصِر بأنه المُحاصَر». في بداية هذه الحرب، وعد دونالد ترامب بجعل إيران عظيمة مرة أخرى، وأعتقد أن هذا هو الشيء الوحيد الذي نجح فيه. لم يجعل إيران عظيمة في نظر العالم فحسب، بل أعاد محليًا هذا المضيق إلى اسمه الأصلي المرتبط بالخالق، وبدأ العدّ التنازلي لنهاية عدوه.
قد يبدو كل هذا مجرد أسطورة بالنسبة لك، إلى أن تفكّر في أن العالم القديم، بخلاف عالمنا المضطرب اليوم حيث تُفرض الأسماء بالقوة وتُمحى بالقوة، كان يعتمد على الحكمة الأصيلة في تسمية الأماكن. فليس من قبيل الصدفة أن يُعرف هذا الخليج عبر التاريخ باسم «الخليج الفارسي».
وأشعر أن هذه مجرد البداية، وأننا سنرى قصص العالم القديم تتجسّد أمام أعيننا في الزمن الحقيقي. وربما لهذا السبب، ولهذا السبب فقط، نجد في دونالد نفسه تمثيلًا أكثر صدقًا لأهرمان.

شارك الخبر
error: !!