هدنة العشرة… أم التطبيع بالعشرة؟! ودور المقاومة في بنت جبيل… عاصمة المقاومة في الجنوب
هدنة العشرة… أم التطبيع بالعشرة؟!
ودور المقاومة في بنت جبيل… عاصمة المقاومة في الجنوب .
بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل.
ليس في بنت جبيل ما يُشبه العادي… هنا تُكتب الحكايات بدمٍ لا يجف، وتُحفظ الكرامة كوصيّةٍ لا تُكسر. مدينةٌ كلّما ظنّها البعض سكنت، اشتعلت معنى، وكلّما أرادوا تطويعها، أعادت تعريف الصمود. ومن بين ركام المواجهة، لا تولد الهدن كاستسلام، بل كعلامةٍ على أن شيئًا في هذا المكان لا يُهزم.
في هذه الأرض تحديدًا، حيث يمتزج الألم بالإرادة، لا يمكن قراءة “هدنة العشرة” كرقمٍ عابر، بل كلحظةٍ فاصلة تختبر المعاني قبل المواقف. فبين هدنةٍ تُفرض بقوة الصمود، وتطبيعٍ يتسلّل بهدوء الكلمات، يقف السؤال الأخطر: هل نحن أمام استراحة مقاتل… أم بداية تنازلٍ لا يُقال؟
هنا تتقدّم بنت جبيل إلى الواجهة، لا كمدينةٍ فقط، بل كحالةٍ تختصر الجنوب كلّه… عاصمة المقاومة في الجنوب. في أحيائها وذاكرتها، صيغت معادلةٌ مختلفة: أن الكرامة لا تُؤجَّل، وأن الأرض التي تُروى بالتضحيات لا تُسلَّم بسهولة. لذلك، لم يكن حضورها في قلب المواجهة تفصيلاً، بل كان جوهر الحكاية.
لقد أدّت المقاومة في بنت جبيل دورًا يتجاوز حدود الفعل العسكري، لتصنع نموذجًا متكاملًا من الصمود. فالمقاومة هناك لم تكن بندقيةً فقط، بل بيئةً حاضنة، ووعيًا جمعيًا، وثقافة ثباتٍ تشارك فيها البيوت قبل الجبهات. ومن هذا التلاحم، وُلدت قوةٌ لم تكتفِ بالصمود، بل فرضت معادلاتها على أرض الواقع.
ومع تعقّد المشهد، لم تعد المواجهة محصورة في الميدان، بل انتقلت إلى مستوى آخر تُدار فيه الحسابات بدقة أكبر. وهنا، برزت الهدنة لا كخيار ضعف، بل كنتيجةٍ مباشرة لذلك الصمود. فحين ترتفع كلفة المواجهة على الخصم، تصبح التهدئة اعترافًا ضمنيًا بميزانٍ جديد فرضته المقاومة، وكانت بنت جبيل في طليعة من رسموا حدوده.
غير أنّ الهدنة، مهما بدت هادئة، تحمل في داخلها اختبارًا من نوعٍ آخر. فكما يُمتحن الصمود تحت النار، يُمتحن الوعي في لحظات الهدوء. هنا، تبدأ اللغة بلعب دورها، وتُطرح المفاهيم بثوبٍ جديد، وتُمرَّر التسويات تحت عناوين براقة، حتى يتسلّل التغيير إلى العقول قبل أن يظهر في الوقائع.
ومن هنا، يتّضح أن دور المقاومة لا ينتهي عند حدود المواجهة، بل يمتد إلى حماية المعنى الذي صُنِع بالتضحيات. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي أيضًا. وإذا كانت بنت جبيل قد أثبتت أنها عاصمة المقاومة في الميدان، فإن التحدي اليوم هو أن تبقى كذلك في الوعي، رافضةً أن يتحوّل الصمود إلى ذكرى، أو أن تُختصر التضحيات بعنوانٍ خادع.
ستبقى بنت جبيل… عاصمة المقاومة في الجنوب، لا لأنّها واجهت فقط، بل لأنّها عرفت كيف تحمي معنى المواجهة. فهنا، لا تُقاس الهدن بعدد الأيام، بل بمدى الثبات بعدها، ولا تُحفظ الإنجازات إلا بوعيٍ لا يلين وذاكرةٍ لا تُساوم.
فإمّا أن تكون العشرة جسرًا نحو مزيدٍ من القوة،
وإمّا أن تتحوّل، إن غاب الوعي، إلى بداية طريقٍ آخر… طريقٍ لا يُشبه هذه الأرض، ولا يليق بتاريخها.
وفي ميزان التاريخ، لن يُسأل الصامدون كم هدنةٍ مرّت،
بل سيُسألون:
هل بقيت القضية حيّةً في قلوبكم… كما بقيت بنت جبيل حيّةً في وجدان الوطن؟!

