بين خيمة صفوان وطاولة عمان قرار وقدرة.
بقلم: د. محمد هزيمة كاتب سياسي وباحث استراتيجي
دائمًا يقال التاريخ يعيد نفسه ولو من أبواب مختلفة حتى وإن تغيرت الوجوه وتبدلت الظروف، فالبعض يعبر وينسى وقلة يخلدون على صفحات الزمن بصمة لن تمحوها الأيام، فيها كل نفس بما كسبت رهينة، حقيقة تفصل بين من صنع المجد ومن باع القضية، مسافة بعيدة لا يمكن تجاوزها وطمس معالمها أو تشويه تضاريس محفورة بذاكرة شعوب وكهوف معاناة في تربة يأس الأمل فيها طحالب تنمو أشواك في حقل استسلام.
تحصد مواسم فشل يتجرعها الشعب سلال مملوءة بوهم في سوق تجارة رائجة تبيع المواقف تشتري الخنوع تقتات بقاء على قيد سلطة تحصى ثروات قادتها وأرصدتهم، تراقب استنفاذ قدرتهم وعمر سلطتهم المرهون بقرار سلمت أنه الأقوى بمعركة صعبة غاب فيها التوازن وخسر العراق كل أوراقه وأحرقها قبل بداية المواجهة والتي انتهت بتوقيع صك استسلام على أرض العراق في خيمة صفوان.
لتدخل اسمًا في التاريخ وتدخل معها الشرق الأوسط كله ويسجل تاريخ الثالث من آذار لعام واحد وتسعين من القرن الماضي بداية مرحلة جديدة سقط فيها العراق في غياهب نهاية دفع فيها الشعب العراقي ثمن مغامرة احتلال الكويت بعد حرب على الجمهورية الإسلامية في إيران بدعم عربي خليجي وغطاء أمريكي غربي وضعت فيها واشنطن حجر الأساس لشرق أوسطها الجديد القائم على إسرائيل الكبرى وإخضاع المنطقة والسيطرة على قرارها ومقدراتها وشعوبها تتويجًا لأحادية قطبية تفردت فيها أمريكا بقيادة العالم بعصا غليظة مستغلة غياب التوازن الذي أورث العالم أزمات وحروب لا تحصى لم يسجل أن أمريكا غابت عن أي منها حتى لو كانت حروبًا بالوكالة قلبت أنظمة وانتهت حكومات قسمت دول احتلت شعوب حقبة ضجت بالأزمات المالية السياسية العسكرية.
حتى وصلت إلى قلب الشرق الأوسط وتحديدًا إيران التي لم يتقبل الأمريكي منذ خمسة عقود حتى اليوم خروجها عن طاعته ونهاية دورها “شرطي الأمريكي في الخليج” ولم تقف عند هذا بل تحول دستورها بتبني دعم الشعوب المستضعفة وفي مقدمها فلسطين فبدأ حربه عليها منذ اللحظة الأولى ونجاح الثورة الإسلامية لمواجهة مد الثورة بذريعة محاربة تصدير الثورة والوعي عند الشعوب والتي ترجمت دعمًا للمقاومة لحركات المقاومة وثبات بالموقع والموقف جعلتها بمواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية الغربية وبحرب مفتوحة مع العدو الإسرائيلي الذي يعيش هاجس الوجود أمام تعاظم قوة الجمهورية الإسلامية.
فكان البرنامج النووي السلمي الإيراني بوابة لمحاولة الدخول إلى إيران لتقويض نظامها الإسلامي الذي تحول قلعة تحتضن قضية الشعوب المستضعفة وحصن يدافع عن الأمة ودرع المقاومة التي تدافع عن أرضها وحقها بالحياة يضاف لموقعها وواقعها الإقليمي ودورها كركيزة أساسية ضمن وحدة الأقطاب الأوراسية مستفيدة من جغرافيتها الطبيعية وتكاملها مع روسيا العظمى والعملاق الصيني في قيام نظام عالمي تعددي ينهي أحادية القطب الأمريكي والخلل في التوازنات التي ملئتها أمريكا بحرب كونية لم توفر الحلفاء أو الأعداء بمرحلة هي الأصعب بتاريخ أمريكا بعد فشل حربها الأولى على إيران وطلب ترامب إنهاء الجولة التي لم تقنعه نتائجها فأعاد الكرة معتمدًا على المخربين داخل شوارع إيران الذين انتهت حركتهم قبل اكتمال جهوزية جيشه وأسطوليه واستعداد إسرائيل لحرب أراد تحقيق أهدافها قبل أن تبدأ لكن حسابات ترامب تغيرت وتكسرت أحلامه ونقل المواجهة من جبهة الميدان إلى طاولة عمان وفق ضوابط حددها الإيراني من موقع المناصر والقادر مستفيدًا من كل الظروف.

