اتصال دموي اسرائيلي يبدل قواعد الاشتباك .

كتبت الدكتورة رشا إبراهيم أبو حيدر
لم يعد هناك رادع يقف بوجه الاعتداءات الإسرائيلية على كل من لبنان وفلسطين واليمن بل ضرب هذا العدو بعرض الحائط كل القرارات الدولية واستعمل كل الوسائل الاجرامية لتحقيق مآربه الاستيطانية والتوسعية، ولعل اخر اعتداءاته الذي حصل من خلال التفجيرات السيبرانية التي حصلت ضد المدنيين في لبنان اذ قامت وبشكل غير مسبوق بتوجيه هجمة سيبرانية واسعة عبر تفجير الأجهزة اللاسلكية المعروفة ب (pager) المحمولة من قبل عدد لا بأس به من اللبنانيين.
بغض النظر عمن يحمل هذه الأجهزة سواء كان عناصر من المقاومة اللبنانية او مدنيين الا انه لا يمكن القول الا بأنه عدوان على لبنان يرتب محاسبة الكيان الصهيوني عليه وخاصة بعد اعتراف هذا الكيان بجريمته وإطلاقه عليها اسم “عملية تحت الحزام”.
في هذا السياق هل يمكن اعتبار ما قام به العدو الإسرائيلي جريمة دولية؟
ان تفجير الأجهزة اللاسلكية الموجودة لدى الأفراد يمكن اعتباره جريمة دولية في بعض الحالات، وذلك بناءً على السياق الذي يتم فيه التفجير والجهة المسؤولة عنه. فهناك عوامل تحدد ما إذا كان هذا العمل يُعتبر جريمة دولية:
1. العمل كجزء من هجوم إرهابي دولي:
• إذا كان التفجير يستهدف الأفراد كجزء من هجوم إرهابي دولي أو حملة منظمة لزرع الرعب بين المدنيين، فإنه يمكن تصنيفه كجريمة إرهابية. حيث ان الدول قد تشارك في هجمات سيبرانية تستهدف بنية تحتية حيوية لدولة أخرى. في حال تسبب هذه الهجمات في أضرار جسيمة أو تهديدات لأمن المدنيين، يمكن اعتبارها شكلاً من أشكال الإرهاب الدولي، خاصة إذا كانت تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية أو عسكرية. وهو ما يمكن الاستدلال به من خلال تبني العدو الإسرائيلي للهجمة السيبرانية على لبنان من خلال التخطيط للعملية والتنسيق لها بين الأجهزة الأمنية في إسرائيل.
2. استهداف مسؤولين حكوميين أو دبلوماسيين:
• إذا كان الهدف من تفجير الأجهزة اللاسلكية هو استهداف شخصيات دبلوماسية أو حكومية أو عسكرية، قد يُعتبر ذلك جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، خاصة إذا كان الهجوم جزءًا من نزاع مسلح أو حملة عنف منظمة.
3. استخدام تقنيات إلكترونية متقدمة في سياق حرب سيبرانية:
• في حال تم استغلال الأجهزة اللاسلكية لتفجيرها كجزء من حرب سيبرانية بين الدول، يمكن اعتبار الهجوم جريمة دولية بموجب القانون الدولي، خاصة إذا تم استهداف البنية التحتية أو الأفراد المدنيين.
4. انتهاك حقوق الإنسان:
• إذا تم استخدام تفجير الأجهزة اللاسلكية كوسيلة لقمع الأفراد أو انتهاك حقوقهم الإنسانية، مثل ترويع السكان أو تقييد حرياتهم، فقد يتم اعتباره انتهاكًا لحقوق الإنسان، وهو ما يمكن أن يُصنف كجريمة دولية اذ انها تعد جريمة ضد الإنسانية لأنها تندرج ضمن القتل العمد وترتكب ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين حيث ان الهجوم لم يميز بين مدني ومقاتل وفي هذه الحالة يمكن أن تكون موضوعًا لتحقيقات دولية بموجب معاهدات حقوق الإنسان.
5. كما يمكن اعتبار ما حصل يدخل ضمن جريمة العدوان من خلال مراجعة تعريف جريمة العدوان في إطار المحكمة الجنائية الدولية (ICC) خلال مؤتمر في كمبالا، أوغندا. اذ وفقًا لهذا التعريف، تُعتبر جريمة العدوان “التخطيط أو الإعداد أو الشروع أو تنفيذ فعل عدواني من قِبل شخص في موقع يسمح له بتوجيه السياسة العامة لدولة ما”. والفعل العدواني يمكن ان يندرج تحته أي اعتداء من قبل دولة ضد سيادة أو وحدة الأراضي أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى. وطالما ان جريمة العدوان ما زالت لم تحدد تفاصيلها بشكل قانوني حاسم يمكن اعتبار الاحداث التي حصلت في لبنان من قبيل جريمة العدوان.
6. الأدوات القانونية لملاحقة الجريمة:
• القانون الدولي: قوانين مكافحة الإرهاب الدولي واتفاقيات حماية المدنيين في النزاعات المسلحة (مثل اتفاقيات جنيف) توفر الأسس القانونية لملاحقة المسؤولين عن مثل هذه الجرائم.
• المحكمة الجنائية الدولية (ICC): تختص المحكمة بمحاكمة الأفراد المتورطين في جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، والإرهاب الدولي في حالات معينة.
• الأمم المتحدة: عبر قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بمكافحة الإرهاب، مثل القرار 1373 الذي صدر بعد هجمات 11 سبتمبر، يتم وضع الأسس القانونية لملاحقة المسؤولين عن الأعمال الإرهابية.
في الختام، ان ما قامت به إسرائيل من تفجير الأجهزة اللاسلكية الموجودة لدى الأفراد قد تجاوز كل قواعد الاشتباك وأصبح يهدد السلم والامن الدوليين وقد يجر المنطقة باسرها الى حرب إقليمية لا يمكن توقع نتائجها وللبنان كل الحق بالدفاع عن نفسه ضمن قواعد الدفاع عن النفس ذلك ان الاعتداء تعدى المقاومة اللبنانية الى مدنيين وهو ما يرتب مسؤولية دولية في حق إسرائيل.
ولمّا كان الاعتداء المشكو منه يندرج ضمن “الجريمة الدولية” كما أسلفنا الذكر، فإنّ التكييف القانوني لها يستلزم، بالضرورة، إدراجه ضمن “جريمة الحرب” تبعاً لتوافر اوصافها ودلالاتها في الفقرتين ٣ و ١٨ من المادة ٨ من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، أيّ في تعمّد العدو بإحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو الصحة، وكذلك في استخدام الوسائل او الاجهزة الّتي تقع بحكم الغارات الخانقة او السامة بمفروض عبارة “استخدام الغارات الخانقة أو السامة او غيرها من الغارات وجميع ما في حكمها من السوائل او المواد أو الأجهزة”، عدا عن توافر مؤشرات الفقرة “١١” من المادة نفسها بنصّها “قتل أفراد .. أو إصابتهم غدراً”.

